28.77-78
﴿ وابتغ فيمآ آتاك الله ﴾ أي: اطلب من الغنى الذي تفضل الله به عليك، بعد الفاقة ﴿ الدار الآخرة ﴾ أي: بأن تفعل فيه أفعال الخير من أصناف الواجب والمندوب. وتجعله زادك إلى الآخرة ﴿ ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ وهو أن تأخذ منه ما يصلحك ويرفهك ﴿ وأحسن ﴾ أي: إلى الناس. أو افعل الإحسان من وجوهه المعروفة ﴿ كمآ أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض ﴾ أي: بهذا المال الذي جعله سبب صلاحها ﴿ إن الله لا يحب المفسدين * قال إنمآ أوتيته على علم عندي ﴾ أي: بطرق التجارة أو المكاسب ﴿ أولم يعلم ﴾ أي: مما سمع بالتواتر ﴿ أن الله قد أهلك من قبله من القرون ﴾ أي: الكثيرة، بحيث صارت سنة له ﴿ من هو أشد منه قوة ﴾ أي: بالأموال والأتباع ﴿ وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ أي: لا يتوقف إهلاكه إياهم على سؤال، ليعتذروا عنها. بل متى حق عليها القول بفسقهم، أهلكهم بغتة بلا معاتبة وطلب عذر.
ثم أشار تعالى إلى أن قارون لم يعتبر بذلك، ولا بنصيحة قومه، بقوله سبحانه: ﴿ فخرج على قومه... ﴾.
28.79-82
﴿ فخرج ﴾ أي: قارون باغيا ﴿ على قومه في زينته ﴾ أي: مغترا بالنظر فيها ﴿ قال الذين يريدون الحياة الدنيا ﴾ أي: جريا على سنن الجبلة البشرية، من الرغبة في السعة واليسار ﴿ يليت لنا مثل مآ أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير ﴾ أي: مما تتمنونه ﴿ لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاهآ ﴾ أي: هذه الكلمة التي فاه بها الذين أوتوا العلم. أو الجنة. أو السيرة والطريقة، وهي الإيمان والعمل الصالح ﴿ إلا الصابرون ﴾ أي: على الطاعات عن الشهوات، وعلى زمام النفس أن تجري في أعقاب المزخرفات. و(ويلك) في الأصل دعاء بالهلاك. والمراد به هنا الزجر عن هذا التمني، مجازا. وهو منصوب على المصدرية ﴿ فخسفنا به وبداره ﴾ أي: المشتملة على أمواله ﴿ الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله ﴾ أي: بدفع العذاب عنه ﴿ وما كان من المنتصرين ﴾ أي: بقوة نفسه وما له ﴿ وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ﴾ أي: من شقي وسعيد ﴿ ويقدر ﴾ أي: يقبض. فلا دلالة في البسط على السعادة. ولا في القبض على الشقاوة. بل يفعل سبحانه كل واحد من البسط والقدر بمحض مشيئته، لا لكرامة توجب البسط، ولا لهوان يقتضي القبض ﴿ لولا أن من الله علينا ﴾ أي: بعدم إيتائه متمنانا ﴿ لخسف بنا ﴾ أي: كما خسف به ﴿ ويكأنه لا يفلح الكافرون ﴾ أي: لنعمة الله، في صرفها في غير سبيلها. أو المكذبون برسله اغترارا بزخارفهم.
فائدة
في ﴿ ويكأن ﴾ مذاهب:
الأول: أن (وي) كلمة برأسها. وهي اسم فعل، معناه أعجب. أي: أنا. والكاف للتعليل. و(أن) وما في حيزها مجرورة بها. أي أعجب لأن الله يبسط الرزق الخ. وقياس هذا القول أن يوقف على (وي) وحدها، وقد فعل ذلك الكسائي.
الثاني: أنه مركب من (وي) للتعجب (وكأن) للتشبيه. والمعنى: ما أشبه الأمر أن الله يبسط. أي: ما أشبه أمر الدنيا والناس مطلقا إلى آخر، أمر قارون وما شوهد من قصته. والأمر مأخوذ من الضمير. فإنه للشأن. والمراد من تشبيه الحال بهذه الحال، أنه لتحققه وشهرته، يصلح أن يشبه به كل شيء. كما أشار إليه في الكشف.
الثالث: قال بعضهم: (كأن) هنا للتشبيه. إلا أنه ذهب منها معناه. وصارت للخبر واليقين. وهذا أيضا يناسبه الوقف على (وي).
الرابع: زعم الهمداني في (الفرائد) أن مذهب سيبويه والخليل أن (وي) للتندم. و(كأن) للتعجب. والمعنى: ندموا متعجبين في أن الله يبسط الخ.
قال الشهاب: وكون (كأن) للتعجب، لم يعهد.
الخامس: ذهب الكوفيون إلى أنه مركب من (ويك) بمعنى (ويلك) فخفف بحذف اللام. والعامل في (أن) اعلم، المقدر.