تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28.29-31

﴿ فلما قضى ﴾ أي: أتم: ﴿ موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر ﴾ أي: من الطريق، من ضوئها، أو ممن عندها ﴿ أو جذوة ﴾ مثلثة الجيم، وقد قرئ بها كلها، أي: عود فيه شيء ﴿ من النار لعلكم تصطلون ﴾ أي: تستدفئون.

﴿ فلمآ أتاها ﴾ أي: قرب منها ﴿ نودي من شاطىء ﴾ أي: جانب ﴿ الوادي الأيمن ﴾ أي: المبارك. يقال: يمن فهو ميمون وأيمن. وتفسيره بخلاف الأيسر بعيد، لأن ألفاظ التنزيل وآية يفسر بعضها بعضا. وقد جاء في غير آية توصيف الوادي بالمقدس، وبقعته بالمباركة، والمعنى واحد. وإن أدهش التفنن في التعبير عنه ببديع تلك المباني ﴿ في البقعة المباركة ﴾ أي: التي بورك مكانها بالتجلي الإلهي ﴿ من الشجرة أن يموسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز ﴾ أي: تتحرك ﴿ كأنها جآن ﴾ أي: حية صغيرة، في سرعة الحركة ﴿ ولى مدبرا ﴾ أي: أعرض بوجهه عنها. جاعلا ظهره إليها ﴿ ولم يعقب ﴾ أي: لم يرجع ﴿ يموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ﴾ أي: من المخاوف.

28.32-35

﴿ اسلك يدك في جيبك ﴾ أي: ادخلها فيه ﴿ تخرج بيضآء من غير سوء ﴾ أي: عيب ﴿ واضمم إليك جناحك ﴾ أي: يدك ﴿ من الرهب ﴾ أي: الخوف. قرئ بفتحتين، وضمتين، وفتح وسكون، وضم وسكون. قال ابن أسلم وابن جرير: مما حصل لك من خوفك من الحية. قال ابن كثير: والظاهر أن المراد أعم من هذا. وهو أنه أمر عليه السلام، إذا خاف من شيء، أن يضم إليه يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف. وربما إذا استعمل أحد ذلك، على سبيل الاقتداء. فوضع يده على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجد أو يخف إن شاء الله تعالى. وبه الثقة.

﴿ فذانك ﴾ إشارة إلى العصا واليد ﴿ برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين * قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ﴾ أي: فيكون أحسن بيانا. ولا يتحمل ذلك ما لم يكلف بمثل ما كلفت به ﴿ فأرسله معي ردءا ﴾ أي: معينا ﴿ يصدقني ﴾ أي: لنشاط قلبي ﴿ إني أخاف أن يكذبون ﴾ أي: يتفقوا على تكذيبي المؤدي إلى أنواع الأذيات.

قال الزمخشري: فإن قلت: تصديق أخيه، ما الفائدة فيه؟ قلت: ليس الغرض بتصديقه أن يقول له: صدقت، أو يقول للناس: صدق موسى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق ويبسط القول فيه ويجادل به الكفار، كما يفعل الرجل المنطيق ذو العارضة. فذلك جار مجرى التصديق المفيد، كما يصدق القول بالبرهان. ألا ترى إلى قوله: ﴿ وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ﴾ وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك. لا لقوله صدقت. فإن سحبان وباقلا يستويان فيه. أو يصل جناح كلامه بالبيان حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه. فأسند التصديق إلى هارون لأنه السبب فيه، إسنادا مجازيا. انتهى. ﴿ قال سنشد عضدك بأخيك ﴾ أي: سنقويك به ونعينك.

قال الشهاب: والشد التقوية، والعضد من اليد معروف. فهو إما كناية تلويحية عن تقويته، لأن اليد تشد بشدة العضد، والجملة تشتد بشدة اليد، ولا مانع من الحقيقة كما توهم. أو استعارة تمثيلية. شبه حال موسى في تقويته بأخيه عليهما السلام بحال اليد في تقويتها بيد شديدة.

﴿ ونجعل لكما سلطانا ﴾ أي: غلبة ومهابة في قلوبهم أو حجة ﴿ فلا يصلون إليكما ﴾ أي: بإيذاء، فضلا عن القتل ﴿ بآياتنآ ﴾ متعلق بمحذوف أي اذهبا بآياتنا. أو ب ﴿ نجعل ﴾ أي: نسلطكما بها أو بمعنى (لا يصلون) أي تمتنعون منهم بها. أو قسم جوابه ﴿ لا يصلون ﴾ مقدر. أو صلة ل ﴿ الغالبون ﴾ في قوله: ﴿ أنتما ومن اتبعكما الغالبون ﴾ وتقدمه، إما للفاصلة أو للحصر. أي: الغالبون عليهم، وإن غلبوكم وغلبوا العالمين قبلكم.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٢٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٢٥٤