28.59-62
﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ﴾ أي: الناطقة بالحق. ويدعوهم إليه بالترغيب والترهيب. وذلك لإلزام الحجة وقطع المعذرة ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ أي: بالكفر بالآيات وتكذيب الرسل سعيا بالفساد، وإباء عن سبيل الصلاح والرشاد ﴿ ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ﴾ أي: فهو مما يتمتع ويتزين به أياما قلائل. وهي مدة الحياة المقتضية ﴿ وما عند الله خير ﴾ أي: متاعا وزينة في نفسه، لخلوه عن شوائب الألم ﴿ وأبقى ﴾ لأنه أبدي لا يزول ﴿ أفلا تعقلون * أفمن وعدناه وعدا حسنا ﴾ أي: بإيمانه وعمله الصالح ﴿ فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين ﴾ أي: من الذين أحضروا للحساب أو للنار أو العذاب.
قال الشهاب: وقد غلب لفظ (المحضر) في القرآن في المعذب. وإليه أشار الزمخشري، وصرح به في البحر ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم تزعمون ﴾.
28.63-68
﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ أي: وجب وثبت مقتضاه. وهو لحوق الوعيد بهم. والمراد بهم، رؤساء الضلال، وقادة الكفر والفساد ﴿ ربنا هؤلاء الذين أغوينآ ﴾ أي: أضللناهم. قال أبو السعود: ومرادهم بالإشارة، بيان أنهم يقولون ما يقولون بمحضر منهم. وأنهم غير قادرين على إنكاره ورده ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ أي: أضللناهم بالوسوسة والتسويل، كما ضللنا باختيارنا، وإيثار ما يفنى على ما يبقى ﴿ تبرأنآ إليك ﴾ أي: من الكفر والشرك والمعاصي. أو منهم ومما اختاروه ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ أي: بل كانوا يعبدون أهواءهم وشهواتهم ﴿ وقيل ادعوا شركآءكم ﴾ ليشفعوا لكم ﴿ فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ﴾ أي: تمنوا ذلك لينقذوا من العذاب العظيم.
﴿ ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين ﴾ أي: الداعين إلى الهداية وإصلاح الأعمال والأخلاق ﴿ فعميت عليهم الأنبآء يومئذ ﴾ أي: فصارت الأنباء كالعمي عليهم لا تهتدي إليهم. وأصله (فعموا عن الأنباء) لكنه عكس مبالغة. قال الشهاب: ففيه استعارة تصريحية تبعية. استعير العمى لعدم الاهتداء. فهم لا يهتدون للأنباء. ثم قلب للمبالغة. فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم. وضمن معنى الخفاء. فعدي ب (على). ففيه أنواع من البلاغة. الاستعارة والقلب والتضمين. والمراد بالأنباء ما أجابوا به الرسل. أو ما يعمها وغيرها من كل ما يمكن الجواب به ﴿ فهم لا يتسآءلون ﴾ أي: لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب، لفرط الدهشة. أو لعلمه بأنه مثله في العجز عن الجواب. أو لعجزهم عن النطق وكونهم مختوما على أفواههم. ثم إن هذا العيد لاحق للمصر ﴿ فأما من تاب ﴾ أي: من الشرك ﴿ وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين ﴾ أي: أن يفلح عند الله. و(عسى) من الكرام تحقيق. ويجوز أن يراد ترجي التائب وطمعه. كأنه قال: فليطمع أن يفلح. قاله الزمخشري. ﴿ وربك يخلق ما يشآء ويختار ﴾ أي: بمقتضى مشيئته وعنايته، ما يريد ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ أي: في ذلك. بل الخيرة له في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه.
قال الزمخشري: الخيرة من التخير، كالطيرة من التطير، تستعمل بمعنى المصدر وهو التخير، وبمعنى المتخير. كقولهم: (محمد خيرة الله من خلقه) والقصد تقرير انفراده بالألوهية وحده. ولذا قال: ﴿ سبحان الله وتعالى عما يشركون ﴾ من الأصنام والأنداد التي لا تخلق شيئا ولا تختار.
تنبيه
للإمام ابن القيم في مقدمة (زاد المعاد) مقالة في هذه الآية الكريمة، جديرة بأن تؤثر عنه. قال رحمه الله: وبعد. فإن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد بالخلق والاختيار من المخلوقات. قال تعالى: ﴿ وربك يخلق ما يشآء ويختار ﴾ وليس المراد هاهنا بالاختيار، الإرادة التي يشير إليها المتكلمون بأنه الفاعل المختار، وهو سبحانه كذلك.