فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به
[البقرة: 229] مفهوم. ومن هذا القبيل قوله:
وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا
[النساء: 101] والقصر لا يختص بحال الخوف. ولكنه سبحانه أجراه على سبيل الغالب. فكذا هاهنا انتهى.
قال أبو سعود: وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا عليه من القبائح، ما لا يخفى. فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى بفجور من يحويه حرمه من إمائه، فضلا عن أمرهن به، أو إكراههن عليه. لا سيما عند إرادتهن التعفف. وإيثار كلمة (إن) على (إذا) مع تحقق الإرادة في مورد النص حتما، للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه، عند كون إرادة التحصن في حيز التردد والشك. فكيف إذا كانت محققة الوقوع كما هو الواقع؟ وقوله تعالى: ﴿ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ﴾ قيد للإكراه، لكن لا باعتبار أنه مدار للنهي عنه، بل باعتبار أنه المعتاد فيما بينهم، كما قبله. جيء به تشنيعا لهم فيما هم عليه من احتمال الوزر الكبير، لأجل النزر الحقير. أي: لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال، الوشيك الاضمحلال. يعني من كسبهن وأولادهن.
وقوله تعالى: ﴿ ومن يكرههن ﴾ جملة مستأنفة سيقت لتقرير النهي وتأكيد وجوب العمل به ببيان خلاص المكرهات عن عقوبة المكره عليه عبارة، ورجوع غائلة الإكراه إلى المكرهين إشارة، أي ﴿ ومن يكرههن ﴾ على ما ذكر من البغاء. ﴿ فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ أي: لهن. كما وقع في مصحف ابن مسعود. وعليه قراءة ابن عباس رضي الله عنهم. وكما ينبيء عنه قوله تعالى: ﴿ من بعد إكراههن ﴾ أي: كونهن مكرهات. على أن الإكراه مصدر من المبني للمفعول فإن توسيطه بين اسم (إن) وخبرها، للإيذان بأن ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة.
وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى، إذا قرأ هذه الآية يقول: لهن، والله! لهن، والله!.
وفي تخصيصهما (بهن) وتعيين مدارهما، مع سبق ذكر المكرهين أيضا في الشرطية، دلالة بينة على كونهم محرومين منهما بالكلية , كأنه قيل: لا للمكره. ولظهور هذا التقدير، اكتفى به عن العائد إلى اسم الشرط. فتجويز تعلقهما بهم بشرط التوبة استقلالا، أو معهن، إخلال بجزالة النظم الجليل، وتهوين لأمر النهي في مقام التهويل. وحاجتهن إلى المفغرة المنبئة عن سابقة الإثم، إما باعتبار أنهن وإن كن مكرهات، لا يخلون في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة ما يحكم الجبلة البشرية. وإما باعتبار أن الإكراه قد يكون قاصرا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار بالمرة. وإما لغاية تهويل أمر الزنا، وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه، والتشديد في تحذير المكرهين، ببيان أنهن حيث كن عرضة للعقوبة، لولا أن تداركهن المغفرة والرحمة، مع قيام العذر في حقهن. فما حال من يكرهن في استحقاق العذاب؟ انتهى كلام أبي السعود. وقد أجاد في تحقيق المرام رحمه الله تعالى.
تنبيه
قال في (الإكليل): في الآية النهي عن إكراه الإماء على الزنا. وأن المكره غير مكلف ولا آثم. وأن الإكراه على الزنا يتصور. وإن مهر البغي حرام. وفيه رد على من أوجب الحد على المكره له.
ثم حذر سبحانه من مخالفة ما نهى عنه، مما بينه أشد البيان، بقوله سبحانه:
﴿ ولقد أنزلنآ... ﴾.