تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ذهب إلى العسكر. فكانت خلوته بها للضرورة. كما يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم للضرورة كسفر الهجرة. مثل ما قدمت أم كلثوم بنت عقبة مهاجرة، وقصة عائشة.

ودلت الآية على أن القاذفين لا تقبل شهادتهم مجتمعين ولا متفرقين ودلت الآية على أن شهادتهم بعد التوبة مقبولة. كما هو مذهب الجمهور. فإنه كان من جملتهم مسطح وحسان وحمنة. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد شهادة أحد منهم، ولا المسلمون بعده لأنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها. ومن لم يتب حينئذ، فإنه كافر مكذب بالقرآن. وهؤلاء مازالوا مسلمين. وقد نهى الله عن قطع صلتهم. ولو ردت شهادتهم بعد التوبة لاستفاض ذلك كما استفاض رد عمر شهادة أبي بكرة. وقصة عائشة أعظم من قصة المغيرة لكن من رد شهادة القاذف بعد التوبة يقول: أرد شهادة من حد في القذف. وهؤلاء لم يحدوا. والأولون يجيبون بأجوبة: أحدها: أنه قد روي في السنن أنهم حدوا. الثاني: أن هذا الشرط غير معتبر في ظاهر القرآن، وهم لا يقولون به. الثالث: أن الذين اعتبروا الحد واعتبروه وقالوا: قد يكون القاذف صادقا وقد يكون كاذبا. فإعراض المقذوف عن طلب الحد قد يكون لصدق القاذف. فإذا طلبه ولم يأت القاذف بأربعة شهداء ظهر كذبه. ومعلوم أن الذين قذفوا عائشة ظهر كذبهم أعظم من ظهور كذب كل أحد. فإن الله عز وجل هو الذي برأها بكلامه الذي أنزله من فوق سبع سماوات يتلى، فإذا كانت شهادتهم مقبولة، فغيرهم أولى. وقصة عمر التي حكم فيها بين المهاجرين والأنصار، في شأن المغيرة، دليل على الفصلين جميعا. لما توقف الرابع فجلد الثلاثة دونه ورد شهادتهم. لأن اثنين من الثلاثة تابا فقبل شهادتهما. والثالث هو أبو بكرة، مع كونه من أفضلهم، لم يتب. فلم يقبل المسلمون شهادته. وقد قال عمر: تب أقبل شهادتك. لكن إذا كان القرآن قد بين أنهم إن لم يأتوا بأربعة شهداء لم تقبل شهادتهم أبدا، ثم قال بعد ذلك: ﴿ وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا ﴾ فمعلوم أن قوله: ﴿ هم الفاسقون ﴾ وصف ذم لهم زائد على رد الشهادة.

وأما تفسير العدالة فإنها الصلاح في الدين والمروءة. وإذا وجد هذا في شخص كان عدلا في شهادته وكان من الصالحين. وأما أنه لا يستشهد أحد في وصية ولا رجعة في جميع الأمكنة والأزمنة حتى يكون بهذه الصفة، فليس في كتاب الله وسنة رسوله ما يدل على ذلك، بل هذا صفة المؤمن الذي أكمل إيمانه بأداء الواجبات وإن كان المستحبات لم يكملها. ومن كان كذلك كان من أولياء الله المتقين.

ثم إن القائلين بهذا قد يفسرون الواجبات بالصلوات الخمس ونحوها، بل قد يجب على الإنسان من حقوق الله وحقوق عباده ما لا يحصيه إلا الله مما يكون تركه أعظم إثما من شرب الخمر والزنا ومع ذلك لم يجعلوه قادحا في عدالته، إما لعدم استشعار كثرة الواجبات، وإما لالتفاتهم إلى ترك السيئات دون فعل الواجبات، وليس الأمر كذلك في الشريعة.

وبالجملة، فهذا معتبر في باب الثواب والعقاب والمدح والذم والموالاة والمعاداة، وهذا أمر عظيم. وباب الشهادة مداره على أن يكون الشهيد مرضيا، أو يكون ذا عدل بتحري القسط والعدل في أقواله وأفعاله. والصدق في شهادته وخبره. وكثيرا ما يوجد هذا مع الإخلال بكثير من تلك الصفات. كما أن الصفات التي اعتبروها كثيرا ما توجد بدون هذا كما قد رأينا كل واحد من الصنفين كثيرا. لكن يقال: إن ذلك مظنة الصدق والعدل والمقصود من الشهادة ودليل عليها وعلامة لها. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث المتفق على صحته:

" عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة... "

الحديث. فالصدق مستلزم للبر، كما أن الكذب مستلزم للفجور. فإذا وجد الملزوم، وهو تحري الصدق، وجد اللازم وهو البر. وإذا انتفى اللازم وهو البر انتفى الملزوم وهو الصدق. وإذا وجد الكذب وهو الملزوم وجد الفجور وهو اللازم. وإذا انتفى اللازم وهو الفجور انتفى الملزوم وهو الكذب، ولهذا يستدل بعدم بر الرجل على كذبه. وبعدم فجوره على صدقه. فالعدل الذي ذكروه؛ من انتفى فجوره. وهو إتيان الكبيرة والإصرار على الصغيرة. وإذا انتفى ذلك فيه، انتفى كذبه الذي يدعوه إلى الفجور. والفاسق هو من عدم بره، وإذا عدم بره عدم صدقه. ودلالة هذا الحديث مبنية على أن الداعي إلى البر يستلزم البر، والداعي إلى الفجور يستلزم الفجور. فالخطأ كالنسيان والعمد كالكذب. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٢١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١٢٣