تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله

[القصص: 50] والنظر والمباشرة، وإن كان بعضه من اللمم، فإن دوام ذلك وما يتصل به، من المعاشرة والمباشرة قد تكون أعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار فيه. بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك. كما قال تعالى:

ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله

[البقرة: 165] الآية.

ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان. والله تعالى إنما ذكره عن امرأة العزيز المشركة وعن قوم لوط.

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الحدود فيما رواه أبو داود من حديث ابن عمر:

" من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره. ومن خاصم في باطل، وهو يعلم، لم يزل في سخط لله حتى ينزع ومن قال في مسلم ما ليس فيه، حبس في ردعة الخبال حتى يخرج مما قال "

فالشافع في الحدود مضاد لله في أمره. فلا يجوز أن يأخذ المؤمن رأفة بأهل البدع والفجور والمعاصي.

وجماع ذلك كله قوله:

أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين

[المائدة: 54] وقوله:

أشدآء على الكفار رحمآء بينهم

[الفتح: 29] فإن هذه الكبائر كلها من شعب الكفر كما في الصحاح:

" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "

الخ ففيهم من نقص الإيمان ما يوجب زوال الرأفة بهم. ولا منافاة بين كون الواحد يحب من وجه ويبغض من وجه, ويثاب من وجه ويعاقب من وجه. خلافا للخوارج والمعتزلة. ولهذا جاء في السنة أن من أقيم عليه الحد، يرحم من وجه آخر، فيحسن إليه ويدعى له. وهذا الجانب أغلب في الشريعة، كما في صفة الرب سبحانه وتعالى. ففي الصحيح:

" إن رحمتي تغلب غضبي "

، وقال:

نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم

[الحجر: 49-50]، وقال:

اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم

[المائدة: 98] فجعل الرحمة صفة مذكورة في أسمائه. وأما العذاب والعقاب فجعلهما من مفعولاته. ومن هذا ما أمر الله تعالى به من الغلظة على الكفار والمنافقين. وقال تعالى:

واللاتي يأتين الفحشة من نسآئكم...

[النساء: 15] الآية، وفي الحديث بيان السبيل الذي جعله الله لهن وهو جلد مائة وتغريب عام في البكر، وفي الثيب الرجم لكن الذي في الحديث الجلد والنفي للبكر من الرجال. وأما الآية ففيها ذكر الإمساك في البيوت للنساء إلى الموت، والسبيل للنساء خاصة. ومن الفقهاء من لا يوجب مع الحد تغريبا. ومنهم من يفرق بين الرجل والمرأة. كما أن أكثرهم لا يوجبون الجلد مع الرجم. ومنهم من يوجبها جميعا. كما فعل بشراحة الهمدانية، حيث جلدها ثم رجمها. وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة نبيه. رواه البخاري . والله سبحانه ذكر في سورة النساء ما يختص بهن من العقوبة. ثم ذكر ما يعم الصنفين فقال:

واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهمآ إن الله كان توابا رحيما

[النساء: 16] فإن الأذى يتناول الصنفين وأما الإمساك فيختص بالنساء، لأن المرأة يجب أن تصان بما لا يجب مثله في الرجال ولهذا خصت بالاحتجاب وترك الزينة وترك التبرج، لأن ظهورها يسبب الفتنة، والرجال قوامون عليهن.

وقوله:

فاستشهدوا عليهن أربعة منكم

[النساء: 15] دل على شيئين: على نصاب الشهادة وعلى أن الشهداء على نسائنا منا. وهذا لا نزاع فيه.

وأما شهادة الكفار بعضهم على بعض ففيها روايتان عن أحمد. الثانية أنها تقبل. اختارها أبو الخطاب. وهو قول أبي حنيفة. وهو أشبه بالكتاب والسنة. وقوله صلى الله عليه وسلم:

" لا تجوز شهادة أهل ملة على ملة، إلا أمتي "

فمفهومه جواز شهادة أهل الملة الواحدة بعضهم على بعض. ولكن فيه: أن المؤمنين تقبل شهادتهم على من سواهم، لقوله تعالى:

لتكونوا شهدآء على الناس

[البقرة: 143]، وفي آخر الحج مثلها وفي البخاري من حديث أبي سعيد: (يدعى نوح) الحديث. وكذلك فيهما من حديث أنس، شهادتهم على الجنازتين خيرا وشرا، فقال:

محاسن التأويل · الصفحة ٢١١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١١٣