تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه

[يوسف: 33] وذلك بعد قولهن:

إنا لنراها في ضلال مبين

[يوسف: 30] ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب. فإن الشهوة توجب السكر كما قال تعالى:

إنهم لفي سكرتهم يعمهون

[الحجر: 72] وفي الصحيحين ومن حديث أبي هريرة

" العينان تزنيان "

الخ فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه الأنواع كالنظر والاستمتاع والمخاطبة. ومنهم من يرتقي إلى المس والمباشرة. ومنهم من يقبل وينظر. وكل ذلك حرام. وقد نهانا الله سبحانه أن تأخذنا بالزناة رأفة، بل نقيم عليهم الحد، فكيف بما دونه من هجر؟ ونهي وتوبيخ وغير ذلك؟ بل ينبغي شنآن الفاسقين وقلاهم على ما يتمتع به الإنسان من أنواع الزنا المذكورة في الحديث.

والمحب، وإن كان يحب النظر والاستمتاع بصورة المحبوب وكلامه، فليس دواؤه في ذلك، لأنه مريض. والمريض إذا اشتهى ما يضره أو جزع من تناول الدواء الكريه، فأخذتنا به رأفة، فقد أعناه على ما يهلكه ويضره. وقال تعالى:

إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر

[العنكبوت: 45] أي: فيها الشفاء والبرء من ذلك. بل الرأفة به أن يعان على شرب الدواء وإن كان كريها، مثل الصلاة وما فيها من الأذكار والدعوات، وأن يحمي عما يزيد علته. ولا يظن أنه إذا استمتع بمحرم يسكن بلاؤه. بل ذلك يوجب له زيادة في البلاء. فإنه وإن سكن ما به عقيب استمتاعه، أعقبه ذلك مرضا عظيما لا يتخلص منه. بل الواجب دفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما قبل استحكام الداء. ومن المعلوم أن ألم العلاج النافع أيسر من ألم المرض الباقي. وبهذا يتبين أن العقوبات الشرعية أدوية نافعة. وهي من رأفة الله بعباده، الداخلة في قوله تعالى:

ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين

[الأنبياء: 107] فمن ترك هذه الرحمة النافعة، لرأفة بالمريض، فهو الذي أعان على عذابه، وإن كان لا يريد إلا الخير.

إذ هو في ذلك جاهل أحمق، كما يفعله بعض النساء بمرضاهن وبمن يربينهن من أولادهن في ترك تأديبهم على ما يأتونه من الشر ويتركونه من الخير.

ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم في ذلك المرض وبرودة القلب والدياثة. وهو في ذلك من أظلم الناس وأديثهم في حق نفسه ونظرائه. وهو بمنزلة جماعة مرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم، فوجد كبيرهم مرارته، فترك شربه، ونهى عن سقيه للباقين.

ومنهم من تأخذه الرأفة لكون أحد الزانين محبوبا له. إما لقرابة أو مودة أو إحسان، أو لما يرجوه منه، أو لما في العذاب من الألم الذي يوجب رقة القلب. ويتأول

" إنما يرحم الله من عباده الرحماء "

وليس كما قال. بل ذلك وضع الشيء في غير موضعه. بل قد ورد

" لا يدخل الجنة ديوث "

فمن لم يكن مبغضا للفواحش كارها لها ولأهلها، ولا يغضب عند رؤيتها وسماعها، لم يكن مريدا للعقوبة عليها، فيبقى العذاب عليها يوجب ألم قلبه، قال تعالى: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ الآية، في دين الله هو طاعته وطاعة رسوله المبني على محبته ومحبة رسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. فإن الرأفة والرحمة يحبهما لله ما لم تكن مضيعة لدين الله. فالرحمة مأمور بها بخلاف الرأفة في دين الله. والشيطان يريد من الإنسان الإسراف في أموره كلها. فإنه إن رآه مائلا إلى الرحمة , زين له الرحمة حتى لا يبغض ما أبغضه الله، ولا يغار. وإن رآه مائلا إلى الشدة، زين له الشدة في غير ذات الله، فيزيد في الذم والبغض والعقاب على ما يحبه. ويترك من اللين والصلة والإحسان والبر ما يأمر الله به. فالأول مذنب والثاني مسرف. فليقولا جميعا

ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا

[آل عمران: 147] الآية. وقوله: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ فالمؤمن بذلك يفعل ما يحبه الله، وينهى عما يبغضه الله. ومن لم يؤمن بالله واليوم الآخر فإنه يتبع هواه. فتارة تغلب عليه الشدة

محاسن التأويل · الصفحة ٢١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١١٢