وإذا وضح هذه الطريقة في التعليل كان الأولى ما ذهب إليه أشهب من كون النية غير مؤثرة، لكن احتجاجه بما ذكرناه قد ينفصل عنه بما أشرنا إليه.
واحتجاج أشهب بمن عليه طعام فطلب به لا يمنع أن يشتري طعاما ينوي أن يقضيه مما عليه، يشير إلى أن هذا عنده مما لا يخالف فيه. لكن أشار إلى ذكر خلاف فيه. وذكر ابن حبيب أن الطالب لهذا الطعام الذي في الذمة لا يعين المطلوب على الشراء، ولا يدله على ما يشتريه، ولا يبقى (2) له فيه. وهذا أيضا احتياط؛ لأنه يجتمع مع نية المطلوب أن يقضي من هذا للطالب له على الشراء، فكأنهما تواطآ على بيع الطعام قبل قبضه بأن يكون المطلوب إنما اشتراه لهذا الطالب وملكه إياه قبل أن يكتاله.
فصل فيما يعد من الأطعمة كالبيع لها قبل أن تقبض.
اعلم أن هذا أصل اضطربت فيه الرواية. الحديث إنما ورد بالنهي عن بيع الطعام قبل قبضه، ولم يرد بالنهي عن قضائه. وهكذا قدمنا عن بعض أشياخنا أنه يرى أن حقيقة البيع يختلف فيها هل هي التعاقد أو التقابض؟. فإن قلنا: إنها التقابض حسن ها هنا إجراء القضاء مجرى البيع. فإذا كان أسلم زيد لعمرو في عشرة أقفزة قمحا، وأسلم عمرو لزيد في مثلها، فأرادا أن يتقاصا ويتباريا فإن اختلف رأس المال لم تجز المقاصة، وإن اتفق رأس المال ففي ذلك قولان: منعه ابن (1) وأجازه أشهب. وسبب هذا الاختلاف أن بيع الطعام قبل قبضه قد قررنا منعه، والإقالة من الطعام على رأس المال قدمنا جوازه، وعلى أقل من رأس المال أو أكثر قررنا منعه، لأنه إن أقال على أكثر من رأس المال ظن بهما أنهما أبطنا دفع دنانير في أكثر منها، وذكر الطعام محللا، وتعاقدهما في الباطن سلف بزيادة؛ وإن أقال على أقل من رأس المال يكتب (2) هذه إقالة لما قدمناه مما تشعر به هذه اللفظة، ولما ذكرناها وذكرنا اشتقاقها، وإذا لم تكن إقالة فهي بيع، وبيع الطعام قبل قبضه ممنوع، فإذا وقعت المقاصة ها هنا ورأس المال مختلف فيه، وأجريناها على مقتضى هذه العبارة، وهي بيع طعام بطعام قبل أن يقع فيهما قبض، وأن ذلك ممنوع، وإذا عدلنا بهما على مقتضى هذه اللفظة إلى ما قد يؤول إليه معناها وهي التقايل على رأس المال فإن رأس المال مختلف، والإقالة عليه لا تجوز، كما قدمناه. وإن اتفق رأس المال فابن القاسم أجراهما على مقتضى هذه اللفظة وهي إسقاط طعام بإسقاط طعام مثله، وهذه مبايعة
لطعام بطعام قبل القبض. وإن أجرينا على أن هذه المتاركة تؤول إلى الإقالة وكأن كل واحد منهما أقال صاحبه على رد رأس المال، فقد صار هذا التعاقد بينهما له مصرفان: أحدهما وهي مبايعة طعام بطعام قبل أن يقبض. والثاني: يجوز، وهي تقايل طعام لم يقبض، فهل يصرف ذلك إلى مقتضى اللفظ، وإلى الوجه المحرم، واحتياطا للعقود، ويعدل (1) عن مقتضى اللفظ إلى ما يصل إليه معناه مما هو مباح. هذا أصل مضطرب فيه، وقد اختلف لفظ المدونة في بيع ثوب بمثله إلى أجل، منع ذلك تارة اتباعا لمقتضى اللفظ، ومقتضاه يشعر بالمكايسة وطلب المنفعة، وقال في موضع آخر: إن قصد بذلك مسلف الثوب منفعة نفسه لم يجز، وإن قصد منفعة المسلف جاز ذلك. فاعتبر المعنى والقصد دون اللفظ.
وقد أتبع هذه المسألة في المقاصة بلفظ مشكل فقال: تمنع المقاصة. كما لو كان ذلك على رجلين، هل مراده بذلك أن يكون لزيد على عمرو، ولخالد على بكر، طعام، فيتقايلون جميعا، بأن يأخذ هذا ما على غريم هذا؟ وهذا يتضح فساده لكونه بائعا للطعام قبل قبضه، ولا تتصور ها هنا إقالة، فيحسن الخلاف فيه. وقيل: مراده بهذا أن يكون من عليه طعام أسلم إليه فيه، أحال المسلم إليه على طعام له في ذمة رجل، فإن هذا البيع (2)، لكون هذه الحوالة بيع (3)، وبيع الطعام قبل قبضه يمنع. لكن هذا فيه اختلاف، فابن القاسم يمنعه، ويرى أن تحول من له السلم إلى ذمة أخرى أحيل عليها ليأخذ طعامه منها بيع لما أسلم فيه قبل قبضه. ويرى أشهب أن ذلك لا يجوز إذا تساوت رؤوس