تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عند ابن القاسم. وأما إن ثبت أنه قرض فأر ولم يثبت أنه لم يفرط، فهل يصدق في قوله: إني لم أفرط، أولا يصدق؟ في ذلك قولان: ذكر في المدونة في كتاب تضمين الصناع أنه لا يصدق إلا أن يثبت أنه قرض فأر وإنه لم يفرط.

وذكر ابن حبيب أنه يصدق في أنه لم يفرط.

وأما إن أتى به وقد أثر فيه السوس ففي ذلك قولان أيضا: ذكر ابن حبيب أنه لا ضمان عليه، لكون السوس عنده أمر غالب يبعد منه. وفي الدمياطية عن ابن وهب أنه يضمن.

وأما إن أتى به وقد أحرقت بعضه النار، ففيه أيضا قولان في المدونة:

إنه لا يضمن إذا ثبت أنه حرق نار، كما لا يضمن لو ثبت كونه سرق. ولمالك في الموازية أنه يضمن. قال ابن المواز: إلا أن يثبت أن ذلك (1) سبب له فيه.

فأنت ترى ما ذكرناه من الخلاف في هذه الثلاث مسائل، وأن الأمر انحصر فيه على أن التلف إذا كان من فعل غير المرتهن أو الصانع فهل يسقط عنه الضمان بمجرد ثبوت هذا، لكون الفعل علم أنه وقع من غيره، أو يبقى حكم الضمان حتى يثبت أنه مغلوب في هذا التلف، ولم يتعد في تمكين غيره من هذا الفعل، كفأر وسوس, لأن هذه الأمور، وإن كان يعرف أنها من فعل غير المرتهن، فإنه أيضا قد علم أنه من جهة العادة أن فعل التلف في قدرة المرتهن أن يمنعه منه، ويصون الرهن، فصار كمن قدر على صيانة مال مسلم فلم يفعل، فإنه يضمنه، هذا بمجرد القدرة على صيانة مال مسلم، فكيف في الرهبان والصناع!؟ وأربابها إنما أسلموا الرهن ليصونه المرتهن، فصار كمن التزم شيئا فلم يفعله، فيتأكد وجوب الضمان عليهم في هذا في معاينة التلف لبعض الرهن والعلم بأنه من غير فعل المرتهن، فالشك في كونه أعان على تلف بتفريط أو لم يفق (2) على التلف، فذلك استصحاب لبراءة ذمته. وكون الأصل فيمن أضيف عليه فعل

عدم (1) أو يقال الأصل ثبوت الضمان فلا يشقط يالشك. هذا ضبط المذهب في هذه الأقسام وبين الخلاف فيه.

وأما إن لم يعاين حرق الرهن، ولكن احترق السوق الذي يكون فيه الرهن، وكان فيه الرهن غالبا، فزعم المرتهن أنه احترق في جملة ما احترق، فأشار بعض المتأخرين إلى أن ظاهر كتاب ابن حبيب أنه لا يصدق, لأنه ذكر أن الحرق إذا كان مشهودا وأتى المرتهن ببعض الثوب، وقد احترق، فإنه يصدق ويسقط الضمان عنه. ورأى أن اشتراط إحضار الثوب محروقا يقتضي دليل الخطاب أنه إن لم يحضره فإنه لا يصدق. ولكن هذا الذي ذكره لم يبين فيه وجه الاشتراط.

وقد كان نزل عندنا سنة ثمانين وأربعمائة لما فتح الروم دمرهم الله زوياة (2) والمهدية، وقتلوا كثيرا من أهلها، ونهبوا الأموال من سائر الديار، وكثرت الخصومات مع المرتهنين من الصناع، وفي بلد المشايخ من أهل العلم متوافرون فأفتى جميعهم بتكليف المرتهن والصانع البينة أن ما عنده من رهن، أو شيء يصنعه، قد أخذه الروم.

وأفتيت أنا بأنهم مصدقون لأجل أن الغالب صدقهم فيما زعموا من التلف، كما أن مالكا أسقط ضمان ما لا يغاب عليه وإن لم يثبت تلفه بعينه، ولكن قنع بالعلم على الجملة أنه لا يستتر ولا يخفى ولو كان موجودا لظهر، فإذا أقام بالبلد أياما كثيرة ينهب، وتخرج منه الخبايا كان ذلك آكد في غلبة الظن بأن مدعي ذهاب الشيء مصدق، وغلبة الظن قد أشار مالك رضي الله عنه إلى اعتبارها في هذا، على حسب ما قلناه. وكان القاضي يعتمد على ما أفتيته به، فتوقف عن القضاء لأجل كثرة من خالفنا من المفتين، حتى شهد عنده عدلان أن الشيخ أبا القاسم السيوري رحمه الله، وهو شيخ الجماعة الذين خالفوني،

أمتي بمثل ما أفتيت به لما غلب الأعراب على القيروان ونهبوا ما فيها، فأنفذ الحكم بسقوط الضمان. ثم بعد ذلك وصل كتاب المنتقى لأبي الوليد الباجي ذكر فيه انه كان بطرطوشة لما احترقت. أسواقها فأفتى بتصديق من عنده رهن انه احترق في جملة ماله الذي الشأن خزنه في الأسواق، وذكر أنه يغلب على ظنه أن بعض أهل العلم وقفه على رواية عن أبي أمن بمثل ذلك. ولهذا ذكرنا أن مذهبنا تصديق المرتهن فيما لا يغاب عليه، فإن ذلك مقتضى ما عللنا به، فيما تقدم، من كون العبد والدابة لا يمكن في غالب العادة إخفاؤهما وسترهما، فيغلب على الظن صدق المرتهن في دعوى الضياع. وهذا أيضا يقتضي متى ادعى من التلف ما يغلب على الظن أنه كذب فيه، فإنه لا يصدق فيه، مثل أن يدعي موت الدابة وهو بموضع عمارة وجماعة فيسألون عن ذلك، فإن صدقوه تأكد غلبة الظن بصدقه عدولا كانوا أو غير عدول، وإن كذبوه وكانوا عدولا غلب الظن كذبه فلم يصدق وإن كانوا غير عدول لم ينقل الحكم عن تصديقه إلى تكذيبه قوم له ليسوا بعدول لتطرق التهم إليهم بأنهم كتموا ما علموا من موت الدابة لما طلبت منهم الشهادة، ويكتفي في خبر الحضور وتصديقهم بانهم رأوا دابة ميتة وإن لم يعلموا أنها الدابة التي كانت بيد المرتهن رهنا. هكذا وقع في المجموعة. وهذا صحيح إذا كانت هذه الشهادة على صفة تغلب على الظن أن الدابة ليست هي عين الدابة التي بيد المرتهن، أو يكون الأمر مشكلا فيستصحب الحكم في أن ما لا يغاب عليه لا يضمن.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٨٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٨٢١