فيحملها مالك رضي الله عنه على أن المراد بها: تقبض بعد عقد الرهن.
ويحملها أبو حنيفة والشافعي على أن المراد به أن الرهن هو المقبوض.
وكل واحد من المذهبين يتخرج بطريقة يسلكها من جهة البيان، ومن جهة الاعتبار.
أما مالك فإنه يرى أنه لما تقدم قوله تعالى "مقبوضة" قوله "فرهان" فأثبت تسمية الرهن قبل ذكر القبض، ثم نعته بالقبض، اقتضى ذلك أن يكون رهنا قبل القبض، ولو كان لا يكون الرهن رهنا حتى يقبض لاستغني عن قوله ﴿مقبوضة﴾.
ويرى المخالف أن قوله تعالى "مقبوضة" وصف لازم كقوله: ساحة واسعة، فإن الاتساع وصف لازم، فوجب بلزومه أن يكون كالشرط فيها. وهذا يقتضي أن الرهن لا يكون إلا مقبوضا، ألا ترى أن قوله تعالى في كفارة القتل ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (2) يقتضي أن العتق في هذه الكفارة لا يجزى إلا بشرط الإيمان في الرقبة. فكذلك لا يصح الرهن ويلزم إلا بأن يصير مقبوضا.
وكذلك قوله تعالى ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ (3) المراد به من هو عدل
منكم حين الإشهاد، ولم يرد به أن يستشهد من ليس بعدل، ولكنه قد يعدل بعد ذلك.
وأيضا فإن تخصيص الرهن بالذكر لا يراد به التنبيه ببعض الجنس على بقيته, لأن ما سوى الرهن من العقود أجناس مختلفة، والأولى التنبيه على ما هو أولى في الحكم, لأن البيع أقوى من الرهن، لكونه ينقل الملك، والرهن لا ينقله، فلو كان المراد التنبيه لذكر القبض في البيع الذي هو أقوى من الرهن لينبه به على أن ما هو أضعف منه أحق بأن يشترط فيه القبض، فدل ذلك على أن فائدة التخصيص بذكر القبض في الرهن يقتضي اختصاصه بهذا الحكم، وكون القبض شرطا ونحن وإن سلمنا أن الآية محتملة للمذهبين فإنا نقابل ترجيحهم لتأويلهم بقوله تعالى ﴿أوفوا بالعقود﴾ (1) وهذا عقد في الرهن يؤمر بإلغائه (2). وقوله عليه السلام" المؤمنون عند شروطهم" (3).
وأما الترجيح من جهة الاعتبار، فيقولون: إنه عقد لا عوض فيه، فأشبه الوصية، فإن للموصي أن يرجع عما وصى به.
ونحن نقابل هذا بأنه حق تبايع (4) للبائع، والبيع يلزم بالقول عندنا، أو بالقول والافتراق، فيجب أن يجري الرهن الذي هو تابع البيع مجرى متبوعه، فيلزم بالقول، ولا يفتقر إلى القبض كالبيع.
ويقولون: فإنه وثيقة بالحق، والمقصود باشتراطه استيفاء الحق، فإذا سلمتم أنه لا يكون المرتهن أحق به إذ لم يقبضه فلا فائدة فيه، وقد بطل المقصود به.
ونجيبهم عن هذا، بأنه يلزم بالقول، ويجبر الراهن على إقباض الرهن
حتى يكون المرتهن أحق به عند الفلس، فإن تراخى في قبضه تراخيا شعر بإسقاط حقه فيه، صار هو المسقط لحقه. وهذا عندنا فائدة قوله تعالى "فرهان مقبوضة" المراد به الثخصيص (1) على الفبادرة بالقبض، ليكون المرتهن أحق في الفلس والموت، بخلاف البيع فإن المشتري أحق بما اشتراه في فلس البائع أو موته.
ونقول نحن فإن العقد إذا كان غير لازم لم يجعله القبض لازما، كالقراض فإن رب المال، ولو سلم المال إلى العامل، ثم أراد أن ينتزعه منه في الحال، لكان له ذلك، تكون عقد القراض غير لازم لم يجعله القبض لازما. أصله ما ذكرناه في القراض والجعالة والشركة والمعاملات، عكسه البيع لما أن كان لازما بمجرد العقد لم يجعله عدم القبض غير لازم.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد قدمنا التنازع في تأويل قوله تعالى "فرهان مقبوضة" هل المراد به أنها لا تكون رهنا لازما إلا بالقبض، أو تكون رهنا لازما قبل القبض، وإنما القبض شرط في كمال التوثقة بالرهن. فقد حصل من هذا أن أبا حنيفة والشافعي يريان القبض شرطا في صحة كونه رهنا ولزومه، ومالك يراه شرطا في كون المرتهن القابض له أحق به إذا فلس الراهن أو مات، فيباع له الرهن، ولا يحاضه في ذلك غرماء الميت أو المفلس. وإذا أمكن المرتهن القبض ففرط فيه حتى فلس الراهن أو مات أسقط حقه في تعلق دينه بثمن الرهن، وهذا (2) يختلف فيه.