ولا يأخذه هو، لكان ذلك أيضا ممنوعا، لما ذكرناه من التعليل. لكن لو كان الغير الذي شرط ذلك له هو من تحمل عنه، لكان في ذلك قولان، مثل أن يحل دين على رجل فيقول له من له الدين: أنا أضع عنك -عددا سماه- وتعطيني به حميلا إلى أجل آخر، فإن هذا فيه ثلاثة أقوال: الجواز، والكراهة، والتحريم.
ففي الموازية عن مالك وابن القاسم جواز ذلك. وذكر عن أشهب أنه روى عن مالك الجواز، وروى عنه الكراهة. وفي العتبية لمالك أن ذلك لا يصلح، وشبهه بحميل آخر (1) عوضا عما تحمل به، فقال: لا يصلح ذلك، وهو كما لو قال له: اعطني عشرة دنانير من دينك وأنا أعطيك حميلا. وهذا التشبيه يشير إلى التحريم.
وفي العتبية عن ابن القاسم: لو قال له: اعط غريمك عشرة دنانير، وأنا أتحمل لك بما عليه: إن ذلك جائز وعلى القول الآخر يحرم ذلك.
وكأنه في هذا القول قذر أن الحميل تحمل بعوض أخذه لنفسه ثم وهبه الغريم. وفي القول الآخر: أن منفعة ذلك للغريم لا يتصور فيه ما صورناه في الحميل إذا أخذ عوضا لنفسه، فيكون ذلك سلفا بزيادة أو أكل المال بالباطل.
ولو كان الدين مؤجلا ولم يحل أجله، فقال من له الدين للغريم: أعطني
به حميلا إلى الأجل نفسه، أو اعطني رهنا، وأنا أحط منه، عددا سماه، فإن
في ذلك قولين:
ذهب أشهب إلى الجواز. وذهب ابن القاسم إلى المنع.
وكأنه قدر أن الحميل إنما يؤخذ ها هنا خوف التفليس عند الأجل فتجب النظرة اليسيرة فإذا شرط استعجال ذلك ميب الحميل قضاء عن الغريم، صار كأن الغريم عجل دينا قبل أجله، على أن وضع عنه من له الدين بعض دينه، وضع وتعجل لا يجوز، كما بيناه في كتاب البيوع.
ومما ينخرط في هذا المسلك الذي نحن فيه من أنواع الحمالة الفاسدة أن من سأل غريمه أن يعطيه حميلا بما له عليه من دين فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أقسام:
إما أن يسأله أن يعطيه حميلا بالدين إلى أجله الذي دخلا عليه، أو يعجله له قبل أجله، أو يؤخره عنه إلى أبعد من أجله.
فإن أخذ منه حميلا قبل الأجل على أن يقضي الدين عند أجله الذي أجلاه، فإن ذلك جائز على الإطلاق، وهو إحسان من الغريم إلى من له الدين.
والقصد بهذا التوثق من الدين، ورفع ما يخشى من له الدين من فلس الغريم أو غيبته، والحمالة من مصالح العقود في البساعات، ولهذا أجيزت.
فإن أعطاه حميلا على أن يعجل الدهين قبل أجله، والدين من قرض عين أو عرض أو ثمن بيع، فإن ذلك جائز لأنه تضاعف إحسان الغريم إليه بأن وثقه من الدين وزاده مع ذلك إحسانا بتعجيله إليه قبل أجله.
وأما إن كان الدين عوضا من بيع فإن هذا لا يجوز لأن الغريم ليس له تعجيل ما عليه من حق العروض المؤجلة إذا كانت من بيع، لأن لمن له الدين عوضا (1) في بقائها في الذمة لتضمن له إلى الأجل، فلم يقبل التعجيل من له
الدين إلا بسبب الحميل الذي أعطاه، والمعاوضة على خط (1) الضمان لا تجوز، حسب تقدم في كتاب البيوع.
وأما إن أعطاه حميلا بالدين يؤخره إلى أبعد من أجله، فإن ذلك لا يجوز، لكون التأخير عن الأجل المشترط كابتداء سلف، لأن من له الدين يستحق قبضه إذا حل أجله، فالتأخير إلى أجك ثان تطوع به، كأنه قبض دينه ثم رده على من أعطاه له سلفا منه بشرط حميل يوثق به قبل انقضاء الأجل الأول، فصار ذلك كسلف، وهو التأخير، جر منفعة وهو توثق الغريم بالدين قبل أن يحل أجله، مخافة أن يفلس الغريم قبل الأجل أو يتغيب. ولكن إذا وقع سقطت الحمالة، ولم يؤخذ الحميل بغرامة قبل انقضاء الأجل ولو فلس الغريم، لأن من له الدين أعطى ماله بغير حميل، فلم يغره الحميل في الأجل الأول ولا تلف (2) عليه شيئا، فلهذا سقطت الحمالة.
وأما إذا وقع الفلس في الأجل الثاني الذي اشترطاه عوض الحمالة، فإن ذلك مختلف فيه على قولين: هل تسقط الحمالة عن الحميل في الأجل الثاني، لكون أصلها فاسدا حراما، والحميك لا يطالب في معاملة فاسدة، أو تلزمه الغرامة لأن رب المال إنما يسمح ببقاء ماله في الأجل الثاني ثقة بحمالة الحميل، فكأنه أخرج من يده ما لا ثقة بحمالته، ولولا ذلك ما خرج من يده ومن عن (3) غيره حتى أتلف عليه مالا لزمته غرامته؟ وفي الموازية سقوط الحمالة. واحد قولي ابن القاسم إثبات الغرامة عن الحميل.