تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محل الميت المضاف إليه الميت (1)، والميت الذي أضاف (2) إليه النسب إذا استلحق ولدا ثالثا قبل ذلك منه، فكذلك تقبل من ولديه المستحقين لجميع ما ترك.

وسلم أصحاب الشافعي ما قلناه عن كون الشهادة عن الغير أقوى من الإقرار عنه إلا في هذا السؤال فإنهم قالوا: الإقرار ها هنا آكد من الشهادة، لأن جميع الورثة يقبل منهم إذا أقروا، ولا يقبل في ذلك شهادة غير العدول، ممن لا يرث وتقبل شهادة جميع الورثة، وإن لم يكونوا عدولا.

ويعتمد من ينكر إلحاق النسب بمجود إقرار من يحيط بالتركة على أن الولاء كالنسب، كما تقرر في الشرع. ثم إقرار الورثة بالولاء يوجب ثبوته في حق غيرهم، فكذلك الإقرار بالنسب. ويطعن في قياس إقرار الوارث الواحد المحيط بالتركة على استلحاق الميت بنفسه، فإن للميت أن يستلحق النسب، وله أن ينفيه عن نفسه باللعان، وليس ذلك لورثته.

وينفصل عن هذا بأن استلحاق جميع الورثة يتصور، ولا يتصور نفي جميعهم لأن الورثة إذا نفوا حمل امرأة، فليسوا حين النفي بجميع الورثة، لكان (3) ما في بطن الزوجة أحد الورثة، فيستحيل مع هذا أن يتصور تطابق جميع الورثة على النفي والمنافي أحدهم، فلا يقبل دعواهم عليه. والأب يتصور فيه الاستلحاق والنفي فلهذا تساويا في حقه.

واعتمد الشافعي في نصرة مذهبه في إلحاق النسب بإقرار من يحيط بالتركة، واحدا كان أو جماعة، بحديث عبد بن زمعة، وذلك: أن زمعة كانت له وليدة، فلما أن مات تحاكم فيه ابن سيد هذه الوليدة واسمه عبد فقال: هو أخي ولد على فراش أبي، وقال سعد بن أبي وقاص: أخي عتبة بن أبي وقاص عهد أنه ألم بهذه الوليدة في الجاهلية، وأن الولد ولده. فقال - صلى الله عليه وسلم - لما تحاكما إليه:

"هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر" (1) فاعتمد الشافعي على هذا الحديث وجعله حجة في ثبوت النسب باستلحاق الواحد المحيط بالتركة، كما ألحقه عليه السلام ها هنا بزمعة، ولم يدعه إلا وحده.

ودوفع عن هذا بمدافعات: أحدها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعول في القصة على مجرد استلحاق هذا الواحد الذي هو عبد. وإنما عول على الفراش، فذكر أن الحكم أنه لعبد، وأشار إلى علة الحكم فقال: "الولد للفراش" يريد: ولأجل هذا قضيت لك به يا عبد.

ويجاوب عن هذا بأن الفراش لم يكلف النبي عليه السلام عبدا إثباته، بل ظاهر الحديث أنه عول فيه على مجرد قوله، ولا فرق بين أن ينفرد الواحد بالإقرار بسبب النسب وهو (2) الفراش.

والانفصال عن هذا: إلا أن يدعى أن الفراش اشتهر اشتهارا استغني به عن طلب إثباته.

ودفع الشافعي أيضا عن احتجاجه بهذا الحديث لم يرد على قوله: "هو لك يا عبدبن زمعة" بيان هل لعبدبن زمعة ملك، لكونه ولدته أمة أبيه فهي وولدها عبيد لمن ورث زمعة وهو ولده عبد، أو أراد هو لك أخ. والأظهر أنه أراد: هو لك عبد لأن هذه اللأم تقتضي الملك، كما يقال هذا الغلام لزيد.

وأجيبوا عن هذا الاعتذار بأن أبا داود قال في رواية هذا الحديث: ليس هو لك بأخ (3). فلا يلتفت إلى روايتهم: ليس هو لك بأخ (4). قال أصحاب الشافعي: لم يرو هذه الرواية عدل ولا ضعيف، مع أن التعليل يقتضي إن (5)

أراد: هو لك أخ، ولم يرد: أنه لك ملك، لأن الفراش لا يدل على الملك، ألا ترى أن رجلا لو تزوج أمة رجل فولدت، فإن الولد ملك لسيدها لا لزوجها الذي هو صاحب الفراش، وإنما لزوجها النسب لأجل الفراش ورواية من روى "هو لك عبد" لا يجب حملها على أن المراد: أنه لك يا عبد بن زمعة عبد مملوك. ولأن المخاطب لم يصرح - صلى الله عليه وسلم - باسمه، وإنما أراد إخباره بأن هذا الوليد لك عبد مملوك، لأنه لا يصح أن يكون المراد: هو لك يا عبد، بحذف حرف النداء، وهو شائع في لسان العرب، قال الله تعالى خبر عن مخاطب: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ (1) والمراد: يا يوسف. ودوفع الشافعي أيضا عن هذا الحديث، بأن عبدا لم يكن جميع ورثة زمعة، بل كانت أخته سودة تشاركه. وإذا أقر بعض الورثة فلا يختلف في أن النسب لا يلحق.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٧٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٧٠٩