وإن استدل المخالف على أن من ارتهن رهنا فإنه أحق بعين رهنه من غيره من الغرماء الذين لا رهن لهم، فكذلك يجب أن يكون غرماء الصحة إذا كانت ديونهم ببينة مقلمين على الدين الذي أقر به في المرض، ويرجح الدين السابق في الصحة على هذا الذي أقر به في المرض، لكون تصرف الصحيح في ماله أبسط وأمضى لأنه له أن يهبه وليس للمريض أن يهب جميع ماله مع كون غرماء الصحة قد تعلق حقهم بعين المال فوجب أفي يقدموا كما قدم المرتهن في الرهن على غيره من غرماء صاحب الرهن.
أجيب عن هذا بانا لا نسلم أن غرماء الصحة تعلق حقهم بعين مال المريض؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان ضياع مال المريض منهم، ولكان لهم أن يمتنعوا من أخذ ديونهم إلا من عين ما ترك. ولو بذل لهم أحد الورثة أو
أجنبي ديونهم لم يتعلق لهم حق في عين المال. وكذلك الرهن لا يتعلق الحق بعينه بدليل أن صاحبه له أن يدفع الدين من غير ثمن الرهن، وأنه إذا ثبت ضياعه يسقط حقه في ضمانه. وإنما للغرماء أن يمنعوا المريض من الإتلاف لماله المضر بهم من غير معاوضة. وأما ما سوى ذلك من تصرفه فيه بالمعاملات والإنفاق منه فإنهم ليس لهم منعه. فالترجيح الذي ذكروه ما بين غرماء الصحة المقر له في المرض غير مسلم لهم بما ذكرناه.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:
وأما ما ذكرناه من إقرار المريض لأحد ورثته وسقناه في خلال التقسيم فإنه أيضا مما اختلف الناس فيه:
فذهب أبو حنيفة إلى أن إقرار المريض بدين لأحد ورثته مردود على الإطلاق. وإطلاق القول فيه كما أطلقه في إقراره في موضعه بدين وعليه ديون ثبتت في الصحة ببينة.
وأفا الشافعي، فالمشهور عند أصحابه أن مذهبه (1) إقرار المريض لأحد ورثته بدين. ومنهم من يحكي فيه قولين. ومن أصحابه من ينكر الخلاف عنه في هذا، ويرى أن مذهبه إمضاء هذا الإقرار على الإطلاق.
وأما مذهب مالك وأصحابه فإنهم يعتبرون التهمة في هذا الإقرار، فمهما ظهر ارتفاعها مضى الإقرار، ومهما ظهر حصولها ووقوعها رد الإقرار.
فكأن أبا حنيفة يرى أن المريض (2) له أن يغير حدود الفرائض التي سماها الله سبحانه بين الورثة ولو صرح بأن مراده تغييرها لم يلتفت إلى قوله وقسم ماله على فرائض الله سبحانه بين ورثته. فإذا لم يصرح بها ولكنه قال قولا
يؤدي إلى تغييرها رد قوله. وإذا أمضينا إقراره بدين لأحد ورثته فقد صار ذلك تفصيلا له فيما يأخذه من ميراثه على سائر الورثة، وهو ممنوع من التصريح بالتفضيل فكذلك إذا لم يصرح به، وقال قولا يؤدي إليه.
وكأن الشافعي رأى أنه لو أقر بدين لأجنبي لا يتهم في الإقرار به، ولا دين عليه لأحد، فإن إقراره ماض، وكذلك إذا أقر لأحد ورثته بدين فإنه ماض ولا يتحقق تهمة في هذا الإقرار، فيفارق حكم. الوارث حكم الإقرار للأجنبي ومن هو كالمنصرف عن الدنيا، ومقبل على الآخرة تبعد عنه التهمة، ألا تراه لو استلحق ولدا لقبل ذلك منه، ولحق به، ولم يتهم على أنه قصد إلى إبطال حق من سواه من الورثة، فكذلك إقراره بالدين.
ونحن نجيب عن هذا بأنه لو صرح بأن قصده أن يفضل وارثا على وارث لم يتم مراده في ذلك، فكذلك إذا دلت قرائن الأحوال على قصده التفضيل.
وأما استلحاق الولد فأحد القولين عندنا أنه يعتبر فيه التهمة. وعلى القول (1) الإعراض عن الالتفات إليها، فإن التهمة في استلحاق الإنسان تبعد ممن هو سائر إلى الآخرة عن قرب. فكذلك لا يبعد أن يفترق مع قوة التهمة من قصد التفضيل وتبعد التهمة في استلحاق نسب ليس هو منه.
فإذا تقرر منشأ الخلاف، فاعلم أن المسطور في الروايات في هذه المسألة فيه اضطراب ولكن إنما يقع الاضطراب فيما التهمة فيه، وينبغي أن يعرض ما وقع في هذه المسألة من وقائع عند أصحابنا واختلاف على الالتفات إلى شهادة العوائد بالتهمة وحصولها في الإقرار، وشهادة العوائد في ارتفاعها. ومهما اضطربت العوائد وأشكل أمرها فإلى هذا يصرف منشأ الخلاف. فكأن من أمضى الإقرار اعتقد ارتفاع التهمة، ومن أصرفها (2) اعتقد حصولها ووقوعها، فيفتقر