وللشافعية قولان: لو كان أصدقها شقصا ففلست فطلقها قبل البناء: هل يكون الشفيع أحق بهذا الشقص، وكأنه وجبت له الشفعة قبل طلاق الزوجة، أو يكون الزوج أحق لكونه لما طلق كان نصف هذا الشقص على ملكه لم يزل من حين العقد إلى أن طلق. وهذا الأصل مختلف فيه عندنا.
وقد اختلف في الغلة هل تكون، إذا وقع الطلاق قبل البناء، للزوجة جميعا، أو تكون بين الزوجين؟
وينبغي أن يلتفت في هذه المسألة إلى الخلاف في أصل آخر، وهو الأخذ بالشفعة هل يجري مجرى الاستحقاق أو مجرى ابتداء بيع؛ فإن جرى مجرى الاستحقاق وترجح (3) في ذلك حق الشفيع.
ويلتفت فيها إلى أصل آخر وهو عقد الخيار، فالترقبات إذا وقعت هل تقدر من حين إمضائها ورفع الخيار فيها، أو تقدر أنها لم تزل منعقدة قبل إمضاء الخيار؟ فإذا قدر اختيار الشفيع لأخذ الشقص لما علم بوجوب الشفعة له كأنه لم يزل آخذا له من حين عقد فيه البيع فإن ذلك يترجح به حقه أيضا.
وقد اختلف المذهب عندنا على قولين في هذا، وعليه خرجنا مسائل في كتاب البيوع.
وعلى هذا اختلف الناس في مشتري السلعة على خيار إذا فلس قبل قطع الخيار: هل للغرماء أن يمنعوه من إمضاء البيع إذا كان ذلك من سوء النظر لهم، أو من فسخه إذا كان من سوء النظر لهم، بناء على أن من قطع الخيار بالإمضاء أو الرد فيه ينفذ البيع أو الفسخ فيكون المفلس كمستأنف عقد بعد الحجر عليه، فيكون للغرماء ما تعقبه، أو يقدر إمضاء العقد أو فسخه لم يزل من حين عقد الخيار فيكون الإمضاء والفسخ سبقا التفليس والحجر، فلا يكون للغرماء فيه مقال.
وقد قال في المدونة: إن من وهب هبة وفاتت في يد الموهوب بتغير بدن، فإن الواهب يكون أحق بعينها في الفلس خاصة لكون ذلك كالبيع بثمن ثابت في ذمة المشتري، فكذلك القيمة إذا ثبتت في هبة الثواب.
وقال بعض الأشياخ: لو لم تفت الهبة ولم تلزم قيمتها فإن البائع يكون أحق بها في الفلس والموت لما كان الموهوب له بالخيار بين أن يقبلها أو يردها فكأنها لم ينعقد فيها بيع حتى فلس أو مات قبل أن تلزم القيمة التي كان بالخيار في التزامها.
والسؤال عن الجواب الثالث أن يقال:
الملك ينتقل في (1) يد مالكه على ثلاثة أنحاء: هبة وقرض وبيع.
1 - فأما انتقاله على جهة الهبة، التي لا تقصد مكافأة عنها، فلا مدخل له ها هنا لأن الواهب لم يستحق عوضا عن سلعته التي وهب فتعذر عليه فيكون (2) له استرجاع الهبة.
وأما إن كانت هبة طلبا للمكافأة فحكمها حكم البيع، وقد ذكرنا ما قيل فيها.
2 - وإن انتقل الملك بعوض على جهة المتاجرة والمعاملة فبائع السلعة أحق بها في الفلس عندنا، وعند الشافعي كما تقدم.
3 - وإن كان الملك انتقل عن جهة القرض والسلف ففي ذلك قولان: أحدهما: أن المتسلف للسلعة إذا فلس لا يكون الذي أسلفه إياها أحق بها إذا فلس من تسلفها. هكذا ذكر في "كتاب ابن المواز". وقد قال فيه: لا يكون أحق سواء قبض السلف أو لم يقبض لأن الحديث إنما ورد في البيع.
وقوله: أو لم يقبض؛ قد يسبق إلى النفس اعتراضه لأن من في يده سلعة لم يسلمها فهو أحق بها في الفلس والموت. لكن القرض لما كان إلى أجل، على مقتضى العادة في القرض، صار من حق المستسلف أن يطالب المسلف بالتسليم فلا يكون له حبس ما أسلف. وإذا لم يكن له حبسه لم يكن أحق به ولو قيل: له الرجوع في ذلك، وإن لم ينتفع المتسلف بذلك، كما قيل في من أعار أرضا فإن له الرجوع في ذلك إذا لم يؤجل كان ها هنا قد يتصور كأنه أحق لكونه يستحق الرجوع. هذا إذا قيل: إن معير الأرض يرجع وإن لم ينتفع المستعير أصلا. وهذا مما ينظر فيه، ويبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال الأصيلي: بل يكون أحق بها كما يكون أحق بها في البيع. فأجراها الأصيلي مجرى عقود المعاوضة. وأيضا، فإن في أكثر الروايات: إذا وجد متاعه بعينه فهو أحق به، على ما قدمناه لما ذكرنا نصوص الأحاديث في هذا. ولم يفرق في هذه الرواية بين أن يكون متاعه دفعه قرضا أو دفعه بيعا. وأيضا، فإن طريق القرض المعروف والإحسان، فكأنه لم يقصد المعاملة على ذمة فخربت وافتقرت، فيكون ذلك عيبا يوجب له ارتجاع عين سلعته.