تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد تقرر أن مشتري السلعة إذا فلس، وكانت قائمة بيد مشتريها، إن ربها الذي باعها أولى بعينها من غيره من الغرماء. فإن أخرجها من يده ببيع بتل لا خيار فيه فقد سقط حق بائعها في استحقاق عينها لما فلس مشتريها، لكون المفلس الذي اشتراها باعها وهو يملك التصرف فيها قبل أن يفلس، فلا يصح أن يرد عقد مشتريها فيها لأمر حدث بعد العقد وهو التفليس. هذا إذا أزال مشتري السلعة ملكه عنها، فإن لم يزله ولكن علق به لغيره حقا في عينها، مثل أن يكون اشترى عبدا فرهنه عند غيره، ثم فلس، فإن الذي في يده هذه السلعة رهنا أولى بها من بائعها ومن غيره من غرمائه، لأجل ما ذكرناه من كونه تصرف فيها بالارتهان تصرفا كان من حقه، فلا يبطل ذلك ما حدث بعده من الحجر عليه. لكن لغرمائه أن يدفعوا ثمن هذه السلعة المرتهنة لبائعها حتى يسقط حقه في عينها على ما قدمناه من كون الغرماء إذا بذلوا ثمن سلعة اشتراها المفلس سقط حق بائعها في أخذ عينها، وقد تقدم ذلك، وذكر مخالفة الشافعي فيه، واختلاف أصحابنا.

فإذا دفعوا له الثمن بكماله وسقط حقه، حلوا محل مشتريها الذي أرهنها، فإذا دفعوا أيضا ما هي فيه رهن لمن هي بيده سقط حقه في كونها رهنا، إذا كانت رهنا بما للراهن تعجيله من الحقوق.

وإن لم يبذلوا كان لبائعها أن يفتكها من يد من هي في يده رهنا، فإذا افتكها استحق عينها، لأنها عادت بعد الفكاك كأنها لم ترهن، وهي سلعة بعينها وجدها في يد المفلس. لكنه من حقه أن يحاص غرماء المفلس بما دفعه في فكاكها؛ لأنه صار له ذلك دينا على المفلس حل فيه محل من كانت رهنا بيده، أخذ من ثمنها ما هي به عنده رهن، وما فضل من الثمن تحاص فيه سائر الغرماء، على ما تقدم بيانه في أحكام الحصاص.

وقال الشافعي: إن هذا الرهن إذا كانت فيه فضلة عن دين من بيده الرهن كانت هذه الفضلة للمشتري الذي رهنها يأخذ من سلعته التي كانت رهنا مقدار ما فضل من دين من هي بيده رهن من عين السلعة المبيعة. ولما كان، عنده، أحق بجميعها إذا لم تكن مرتهنة ووجدت بيد المفلس، فكذلك هو أحق بعين بعضها الذي فضل عما بيع في الدين الذي هي به رهن. وسنتكلم على مذهبنا في هذا الأصل إن شاء الله تعالى فيما بعد.

فلو كان عبدا فجنى عند مشتريه، فإن للبائع أن يفتكه من المجني عليه بأرش الجناية، ويستحق عين العبد المبيع لكونه لما فداه كأنه لم يجن، وعاد إلى يد مشتريه، فيكون بائعه أحق به، لكنه لا يحاص سائر الغرماء بما فداه به من أرش الجناية، بخلاف ما فداه به من يد مرتهنه لكون هذا العيب طرأ على رقبة العبد. وسنتكلم على تعيين (1) العين المبيعة بعيب وغيره.

ومما يلحق بما نحن فيه كون مشتري السلعة دفعا (2) إلى صباغ يصبغها، فصبغها الصباغ، وهي بيده، ولم يأخذ إجارتها من دافعها إليه حتى فلس، فإن أشهب ذهب إلى أن للبائع أن يفديها من يد الصباغ بالأجرة التي عاقده عليها المشتري لهذه السلعة التي (3) فلس، ثم يتحاص غرماء المشتري بما دفعه

للصباغ، ويستحق (1) أخذ سلعته التي باعها وصبغها مشتريها. وحمل على أشهب أن هذا القول منه إشارة إلى كون الصباغ يكون للمفلس أن يشاركه به في السلعة التي اشتراها.

وهذا التأويل عليه يبعده ما قدمناه من ذكر الأصل الذي تبنى عليه هذه المسألة وغيرها. فإنا قدمنا أن مذهبه أن من فدى سلعة أو اشتراها فإنه يحل محل من فداها منها (2) أو اشتراها، وله إمساكها حتى يقبض ما جعلها (3) به من يد من كانت السلعة في يده. فهكذا يجب ألا يحاص بما دفع للصباغ من أجرة بل يكون أولى بما قابل ثمن الصباغ من ثمن هذه السلعة حتى يقبض ما فداها به هذا البائع من يد الصباغ.

وقال ابن المواز لا يحاص بائع السلعة غرماء المشتري بما دفع من أجرة الصباغ.

واستبعد هذا بعض الأشياخ، وأشار إلى حمله على أن هذا الفداء لا منفعة فيه للمشتري ولا لغرمائه، ولا فائدة لهم فيه ولا ربح، فلا يحاصهم بشيء تطوع به ليست فيه فائدة للغرماء ولا لمن لهم عليه الدين. على أن مقتضى أصله أيضا ما ذكرناه عن أشهب من أن من فدى شيئا كان أحق به حتى يأخذ ما فداه به، فلعل ابن المواز أشار بقوله إنه لا يحاص بالأجرة التي دفعها للصباغ، إلى هذا المعنى، وهو أنه يأخذ ما دفع من قيمة الصباغ إذا بيعت السلعة، لا سيما على أحد الأقوال التي قدمنا من أن الغرماء إذا دفعوا لبائع السلعة ثمنها كانت الخسارة عليهم دون الغريم، لكونهم إنما يباح لهم فعل ما ينمي ما لهم دون ما ينقصه وينتقصون به من دينهم حتى يرجون (4) إلى مطالبته به إذا أيسر.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦١٩