وقد احتج المعتبرون لصلاح الدين بما ذكر عن ابن عباس في وصفه الرشد، فقال في أوصافه: "ومن له حلم ووقار".
وذكره الوقار إشارة إلى صلاح الدين.
هذا حقيقة القول في إنفاقه في المجنون والمعاصي. وأما إنفاقه في الملاذ والشهوات المباحات، وجمع الجماعة تأكل الكثير منه من الطيبات في المبيتات والمؤانسات، فإن هذا مما فيه إشكال أيضا. وأشار بعض أصحاب الشافعي إلى أنه يوجب الحجر. وأما ابن القصار، من أصحابنا، فذكر ذلك ولكنه شرطه بشرط، فأوجب الحجر على من أنفق في الملاذ والشهوات وأكثر من ذلك. ولكنه قال: "إذا كان ما فضل عنده من ذلك لا يتصدق به ولا يطعمه."
وقوله "ولا يطعمه" بعد ذكر الصدقة، الظاهر أنه أراد به إطعامه لإخوانه، وهذا قد يشير إلى أنه لا يرى ما ذكرناه عن بعض أصحاب الشافعي يوجب (1) الحجر.
والتحقيق عندي فيه الالتفات إلى ما كنا أشرنا إليه في اعتبار حال قلة المال وكثرته، وحال التجر به وتنميته، وقرائن الأحول التي تكون عنوانا وعلما
على هوان المال عليه وكونه خارجا في تدبيره عن طريقة ذوي السداد، أو تدل على خلاف ذلك. فكل (1) واقعة من هذا حكمها.
الجواب عن السؤال الخاص
أن يقال:
قال الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ (2).
وقد قدمنا أن الصغير الذي لم يبلغ لا يدفع إليه ماله بالإنفاق لتحقق معنى السفه فيه، وهو قصوره عن العقل التام الكامل الذي به يقع تدبير الدنيا والدين.
ولهذا جعله سبحانه في هذه الآية علة توجب الحجر. فقد ذكرنا أيضا السفه علة في الحجر، والرشد علة في الإطلاق.
فلا يعلم أحد الوصفين (3) الكشف عن حال اليتيم واختباره، وهو معنى قوله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ واختبروهم حتى إذا بلغوا النكاح ﴿فإن آنستم منهم رشدا﴾ معناه علمتم رشدهم. وهذا العلم ليس بعلم ضروري يخلق في النفس ابتداء، لكنه ربما وقع عن طرق ربما تودي إليه، وهي مشاهدة قرائن أحوال، ربما (وقع العلم بطرق) (4).
فقد صار هذا العلم لا يتوصل إليه إلا بطرق وهذه الطرق هي المحال عليها في القرآن في قوله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى﴾. فاختلف العلماء في زمن هذا الإختبار لأحوال اليتيم في تصرفاته في المال، وما يتعلق به من معاوضات وصيانات له على قولين:
هل يكون هذا الاختبار بعد البلوغ أو يكون قبله؟
فالأشهر من مذهبنا أنما هذا الاختبار إنما يكون بعد بلوغ اليتيم الحلم.
وذهب أبو جعفر الأبهرى من أصحابنا إلى أنه يكون قبل البلوغ.
وكذلك اختلف أصحاب الشافعي فيه أيضا على قولين:
وهل يكون الاختبار قبل البلوغ أو بعده؟
فكأن من ذهب إلى الاختبار قبل البلوغ تعلق بظاهر قوله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ فجعل الاختبار قبل بلوغ النكاح وهو الاحتلام.
وجعل قبله "حتى" كالغاية لهذا الاختبار. فإن أثر هذا إلاختبار قبل البلوغ بوقوع عام في النفس برشد اليتيم دفع إليه ماله عقيب البلوغ على الفور، ويكون قوله تعالى ﴿آنستم منهم رشدا﴾ إن الفاء فيه للتعقيب والمراد فإن علمتم منهم بذلك الاختبار المتقدم، رشدا فادفعوا إليهم أموالهم على البدار والفور.
وقوله ﴿فادفعوا إليهم أموالهم﴾. الفاء ها هنا للتعقيب، على طريقة هؤلاء وطريقة من ذهب إلى إفادتها للتعقيب في مثل هذا، على ما كنا بسطنا القول فيه فيما سلف، وفيما أمليناه في الأصول. وبقول هؤلاء إن اليتيم إذا بلغ، يمكن أن يكون في معلوم الله سبحانه قد بلغ رشيدا، والرشيد لا يحل إمساك ماله عنه.
فإذا كان الاختبار بعد البلوغ خفنا أن نقع في محرم، فكان الاحتياط الهروب عنه، ولا يحصل ذلك إلا بالاختبار قبل البلوغ.
وأما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يقولون: قد تضمنت الآية المنع من أن يدفع للصغير شيء من ماله. والاختبار الذي يثمر العلم بالرشد بما يكون بالتصرف في المال. فإذا منع الشرع من دفعه إليه انحسم طريق العلم المؤدي إلى العلم بالرشد، فوجب من أجل هذا أن يكون الاختبار بعد البلوغ. وأيضا فإن قوله تعالى ﴿فإن آنستم منهم رشدا﴾، ومعناه علمتم، وإن كان فعلا ماضيا فهو إذا وضع بعد حرف الشرط كان للاستقبال، فاقتضى هذا كون دفع المال