تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو انكشف أنه ليس بصريح في الحرية، ولا صريح في الملك والرق، بل فيه عقد حرية مثل المعتق إلى أجل، وأم الولد، والمدبر، والمكاتب فإن الحكم يفتقد في هؤلاء الأربعة، فمن كان منهم لا يترقب عودة إلى الرق على حال، بل قطع على أنه سيسري به العقد الذي فيه إلى الحرية إن لم يخترمه الأجل، كأم الولد والمعتق إلى أجل، فإن ذلك يلحق بالحر الصريح، فيرجع المشتري على من باع منه بما دفع إليه من الثمن في موت أم الولد والمعتق إلى أجل، وهما في يديه ولا يرجع بالثمن في المدبر ولا المكاتب لكونهما يترقب رقهما بأن يعجز المكاتب، فيصير رقيقا يصح بيعه، وكون المدبر قد يموت سيده فيباع في دين عليه. وأجري عليهما ها هنا حكم الرق الصريح.

فلو كان المشتري هو الذي أفات ما اشترى على وجه ينتفع به، كطعام أكله، أو ثوب لبسه، باعه منه غاصب، فإني لصاحب الطعام والثوب أن يغرما المشتري عوض ما انتفع به من مالهما: إما المثل فيما يقضى فيه بمثله، أو القيمة فيما يقضي فيه بالقيمة.

وإن كان لا منفعة له فيما أفات، لا مما اشتراه، كعبد باعه منه غاصب، فقتله المشتري عمدا، فإن لسيد العبد أن يغزم المشتري قيمته لكون متعديا في القتل فاعلا لما نهى الشرع عنه، فكان لمالك العبد طلبه بما أتلفه عمدا.

وأما إن أتلفه خطأ، مثل أن يريد ضرب شيء فغلط فأصابت ضربته العبد الذي اشتراه، والخلاف في هذا مبني على ما قدمناه من أن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، يوجب الغرامة، إلا أن يكون المتلف مأذونا له من المالك، أو من الشرع في التصرف فيما أتلفه خطأ، فإن في ذلك خلافا: هل يستوي فيه الخطأ والعمد أم لا؟

وإذا طلب سيد العبد المشتري قيمة ما أتلف، وكان يوم التلاف يساوي خمسين دينارا، فأخذها سيد العبد من المشتري، فهل يعد ذلك كأخذ عين العبد من المشتري، وهو إذا أخذ عين العبد من المشتري فقد اتفق على أنه يرجع المشتري على من قبض منه الثمن، وهو الغاصب، بجميع الثمن، أو يقال: إن أخذ القيمة من بذل (1) جنايته، ولا يحل ذلك محل أخذ عين العبد، فيقدر أن ذلك كموت العبد في يد المشتري، وهو لو مات في يديه لم يرجع على الغاصب من الثمن بشيء مما دفع إليه (ها هنا القيمة بحكم الجناية والمطالبة له على الغاصب إلا بمقدار ما أدخله فيه من خسارة) (2)، وهي طلب القيمة منه، إذ لو لكان العبد المقتول مالكه لا يستحقه أحد فقتله. فإنه لا مطالبة عليه بثمنه ولا قيمته، وإنما طولب ها هنا بقيمة العبد الذي قتله بسبب تغرير الغاصب به بأن باع

شيئا لا يملكه، حتى أوجب عليه غرامة لمالكه. هذا فيه قولان بين ابن القاسم وأشهب:

فمذهب ابن القاسم أن مطالبة المستحق للمشتري بقيمة العبد الذي قتله تحل غرامتها محل عين العبد الذي قتله المشتري. وقد اتفق على أن أخذ عين من يد مشتريه يوجب له رجوعه بجميع الثمن على الغاصب الذي باع منه العبد، فكذلك إذا أخذت منه قيمة العبد فلا يخسر سوى الخمسين دينارا، وقد رجعت إليه لما أخذ من الغاصب جميع ثمنه الذي كان دفعه إليه.

ومذهب أشهب أن البيع لا ينتقض، ولكن يبقى حق مالك العبد، إذا أخذ قيمته من المشتري، في مطالبة الغاصب ببقية ثمن عبده، فإن كان الغاصب باع هذا العبد من المشتري بمائة دينار فإن لسيد العبد، إذا أخذ من المشتري الخمسين دينارا التي هي قيمة المقتول، أن يرجع على الغاصب البائع ببقية الثمن، وهو الخمسون الباقية؛ لأنه قد كان له أن يجيز البيع ويأخذ الثمن من الغاصب، كما قدمناه، وليس عدوله عن ذلك إلى أن أخذ من المشتري خمسين دينارا بالذي يسقط حقه من طلب الثمن، ولا يقدر أنه لما طلب المشتري بالقيمة كأنه أبرأ الغاصب من بقية الثمن، كما سيرد ذلك في قتل رجل عبدا في يد غاصبه. ولو كان هذا العبد المقتول قيمته يوم غصبه الغاصب مائة دينار وعشرون، وباعه الغاصب من هذا المشتري الذي قتله بمائة دينار وقتله المشتري وقيمته خمسون دينارا، فإن مذهب أشهب، على ما أصلناه، تمكين سيد العبد من تغريم الغاصب سبعين دينارا بقية تمام قيمة العبد يوم غصبه الغاصب، وقد كان أخذ سيد العبد من المشتري خمسين دينارا قيمة عبده، فبقيت له من قيمته يوم الغصب سبعون دينارا فيأخذها من الغاصب.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٢٥