الوجه الثاني أن البيع يجوز مع اختلاف الأجناس، ومع الزيادة والنقصان، ولا يجوز ذلك في الحوالة كما تقدم في صدر الكتاب.
الوجه الثالث: أن الحوالة تجوز بدنانير على دنانير ويجوز الافتراق قبل التقابض. فلو كان ذلك بيعا لكان ذلك كالصرف الذي لا يجوز فيه الافتراق قبل التقابض.
وأما من لم ينكر كونها بيعا فإنه يقبل (2) بأن حقيقة البيع في اللغة نقل الملك بعوض، وهو ها هنا قد انتقل الملك بعوض فثبت له حقيقة البيع،
واشتراط الشرع في جواز هذا البيع شروطا لا تخرجه عن كونه بيعا، وكذلك اختصاص الحوالة بتسمية الحوالة، ألا ترى أن بيع الدنانير بالدراهم واختصاصه بحكم، وهو منع الافتراق قبل التقابض، واختصاصه بتسمية وهو الصرف، لا يمنع ذلك من كون حقيقة البيع قد حصلت فيه.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
قد قدمنا أن حقيقة الحوالة أن تكون على دين، وأن اشتقاقها يوجب ذلك؛ لأنها مشتقة من التحول، والتحول لا يكون إلا متضمنا لمكانين أحدهما هو الذي يزول عنه الليث (1) فيه. والآخر هو الذي ينتقل إليه. وكذلك الحوالة في الديون تقتضي أن يكون لإنسان دين في ذمة رجل فيطلب به، فيقول له: تحول عن ذمتي إلى أن يصير لك في ذمة رجل أخرى (2) عليه دين مثل دينك.
وهكذا أصل المذهب، وعليه بنيت فروع هذا الباب، ألا ترى أن المذهب في رجل تحول بدين على ذمة رجل آخر فلما مات المحال عليه، قال المحال: أحلتني على غير أصل دين، فلي الرجوع عليك. وقال المحيل: أحلتك على دين لي عليه. فإن القول قول المحيل.
وهذا الذي قاله أصحابنا مبني على ما قدمناه من أن الحوالة حقيقتها أن تكون تحولا عن دين في ذمة إلى ذمة أخرى فصار مدعيا أن الحوالة كانت على غير دين بعد اعترافه أنهاكانت حوالة، يدعي إبطال ما أقر به وإبطال حقيقة اللفظ الذي اعترف به.
ومن هذا أيضا ما أشار إليه ابن الماجشون في المبسوط، فيمن تحول بدين له على رجل على رجل آخر فقال المحيل: ادفعه إلي لأني إنما وكلتك على قبضه وسلمه إلي. وقال المحال: بل كنت استحقه عليك دينا من قبل الحوالة: إن المدعي لكونه حوالة إذا ادعى من ذلك ما يشبه صدقا (3)، وإلا كان القول قول المحيل: إنك وكيل لي على القبض. فأنت تراه كيف أشار إلى أن القول قول من ادعى ما يقتضيه اللفظ وحقيقة هذه التسمية وكونها دالة على أن الحوالة على دين. ألا ترى أن قرائن الأحوال على أنه ليس بمحال بل هو وكيل، فيكون
القول قول من ادعى ما دلت عليه قرينة الحال. وإن كان قد وقع لابن القاسم في العتبية، فيمن أحال رجلا بدين له عليه على رجل آخر، فقال المحيل: إنما أحلتك على دين لي يكون ذلك سلفا عندك ترده إلي. وقال القابض: ما أخذته إلا عوضا عن دين كان لي عليك: إن القول قول المحيل. مع كون المحيل ادعى أن هذه الحوالة كانت على غير دين يستحقه المحال.
وأشار بعض أشياخي إلى أن هذا كالمخالف لما أصلناه، ولما حكيناه عن عبد الملك، مع كون هذه المسألة آكد في تصديق القابض الذي يقول: ما قبضت دينك إلا من دين كان لي عليك. وهذا اتفاق منهما على أن المقبوض قبض على أنه ملك للقابض.
وهذا الذي أشار إليه شيخنا من التخريج للخلاف فيه (1)، وذلك أن قول المحيل: إنما قبضته ليكون لي سلفا عليك، يشبه الحوالة على الديون لأنه لما التزم له أن يسلفه مائة دينار صار ذلك كدين عليه لمن سأله في السلف. وإذا صار كدين له عليه صارت الحوالة ها هنا على دين باتفاقهما جميعا. وإنما تنتقل المسألة إلى أصل آخر، وهو من قال: قبضت من زيد مائة دينار كانت لي عليه، وقال زيد: إنما دفعتها إليك ليكون سلفا لي عليك، فإن في المسألة قولين: هل يصدق القابض؛ لأنه ما أقر بعمارة ذمته، ولا أقر إلا بقبض شرط فيه أنه يستحق، فلا يؤخذ بأكثر مما أقر به. والقول الآخر: إن القول قول الدافع في أنه إنما دفع ذلك سلفا؛ لأن القابض لو أتاه قبل أن يقبض منه شيئا، فقال له: لي عليك دين، فأنكره المدعى عليه، فإن الإجماع على أن القول قول المدعى عليه، فكذلك أن يجب أن يكون القول قوله. في صفة ما دفع، وأنه دفعه سلفا لا قضاء عن دين؛ لأن الأصل أن القول قوله في إنكاره دعوى المدعي عليه الدين.