فإنه لا يلزمه أن (يقوم له بمثل) (1) العرض الذي أمره أن يبيع به ولا بقيمته وإنما تلزمه قيمة العرض الذي دفع إليه ببيعه (2). والفرق بينهما أن من استهلك مكيلا أو موزونا فإنما عليه مثله، ومن استهلك عرضا فإنما عليه قيمته.
وبسط هذا الذي أشار إليه ابن القاسم من التفرقة، أن الموكل على بيع سلعة له بقمح محدود المبلغ، قد حرم الوكيل الموكل أن يأخذ هذا المبلغ في سلعته، ومنعه منه بإفاتة سلعته عليه، فضمن ما منع منه. ونحن إذا ضمناه ما منع منه، وصلنا المتعدى عليه إلى ما أراد من ثمن سلعته، فدفعنا الجنس الذي أمران تباع سلعته به. فإذا كان الموكل إنما أمر الوكيل أن يبيع سلعته بعرض فإن العرض لا يقضى بمثله، وإنما يقضى بقيمته على من أتلفه بعينه، فكيف بمن لم يتلفه وإنما منع من التوصل إليه وإذا كان الحكم أن يقضى عليه بالقيمة لأجل أنه منع الوكيل (3) من عرضه فإن القيمة التي تضمنه (4) على العرض المرسوم له البيع به ليست هي مراد الموكل، ولا مطابقة لغرضه، وما رسم في سلعته، فلا يحصل على مطابقة ما رسم في سلعته في البيع بعرض إذا أغرمنا الوكيل قيمة العرض الذي رسم الموكل، وإذا لم يقدر على مطابقة غرض الموكل، وكان لا بد من العدول عنه إلى أعدم (5) قيمة العرض، فالعرض الذي أتلفه عليه أولى أن يضمن قيمته من عرض لم يتلفه عليه وإنما يقدر أنه منعه منه.
هذا وجه التفرقة التي أشار إليها ابن القاسم، وقال: إن الموكل الذي أمر
أن تباع سلعته بقمح محدود لا يباح له أن يأخذ من الوكيل غير القمح
الذي أغرمناه إياه، لكونه حرمه له (1) ومنعه حقه. فالمعتبر عنده في هذا المعنى أن يكون الوكيل أمر ببيع عرض بمكيل أو موزون نقدا فخالف في ذلك.
وإنما يشترط كون المبيع المتعدى فيه عرضا لما قدمناه من أنه لو كان مكيلا أو موزونا لكان تضمين الوكيل مثله يصير عينه كأنها لم تذهب لكون مثله يسد مسده، والعرض لا يقضى بمثله ولا قيمة مثل له فيسد مسده، فوجب لأجل هذا اعتبار كون المبيع الذي وكل الوكيل على بيعه عرضا لا مكيلا وموزونا.
وكذلك اعتبر أن يرسم له ببيعه بمكيل أو موزون محدود المبلغ دون أن يرسم له أن يبيعه بعرض لأجل ما قدمناه من تفرقة ابن القاسم التي بسطنا بيانها.
وبعض الأشياخ يتعقب هذا ويرى أنه ينبغي أن يلزمه قيمة العرض الذي حد له أن يبيع به لأنه حرمه إياه ومنعه منه بإتلاف، فوجب أن يضمن قيمته. وقد ذكر في المدونة أنه إذا أمره أن يبيع سلعة بعشرين دينارا إلى أجل، فباعها بأقل من ذلك نقدا، أن الوكيل يضمن قيمة تلك السلعة. وهذا لكون الثمن المرسوم ها هنا مكيلا أو موزونا مؤجلا، ونحن قد أخبرنا أنه يعتبر في إغرام الوكيل إياه كونه مأمورا أن يبيع به نقدا. ورأى هؤلاء المتعقبون أنه ينبغي أن تلزمه هذه الدنانير المؤجلة التي حد له البيع بهلالكونه أتلفها عليه، ومنعه منها بتعديه على سلعته، طردا لما قاله في مخالفة الوكيل المأمور بأن يبيع السلعة بقمح نقدا فباعها بدنانير؛ لأن جميع هذه الأنواع يتصور فيها حرمان الموكل ما سمى ورسم أن تباع به سلعته، لكن ينبغي إن سلك في هذا طريقة أخرى فينظر في هذا الذي سماه الموكل، فإن كان مما لا يتأتى البيع به غالبالأولا يمكن أن يحصل له في سلعته، فإن الوكيل لا يغرمه لأجل تسميته لأنه سمى له ما لا يصح له، كمن أمره أن يبيع سلعة، قيمتها مائة، بألف، فإنه لا يحسن ها هنا أن يقال يضمن الوكيل له ألف دينار، لأجل أنه قد سمى له البيع بها، فكذلك إذا أمره أن يبيع سلعته بعرض لا يباع به غالبالأولا يتأتى البيع به في غالب الأمر، فإنه لا
يحسن أن يلزم الوكيل غرامة قيمة ما لا يتأتى البيع به غالبالأولا يتحصل مقدار قيمة العرض الذي يباع به. ولعله لهذا فرق بين أن يأمره بأن يبيع سلعته بقمح أو بعرض، لكون العرض لا يتأتى البيع به غالبالأولا ينضبط أسعار البيع به، وقد ينضبط بالقمح إذا كانت عادتهم التبايع به. وهكذا ما ذكر في المدونة من أمره أن يبيع سلعته بدنانير إلى أجل محدود لا يتأتى غالبا، لكن إن سمى له ما يبيع به مما يتأتى غالبا، ويمكن أن يحصله البائع لسلعته ثمنا لها، فإنه قد يجري هذا على القولين في تضمين المتعدي ما منع منه لا ما أتلفه. كمن أتلف سلعة وقفت على ثمن معلوم، فإن فيها قولين: أحدهما أنه يضمن قيمتها لإتلافه إياها.