تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو كان تعدي الوكيل في الجنسية في بيعه نسيئة، كمن يدفع إليه ذهبا ليسلمه في ثوب فأسلمه في بساط. فإنه لا يخلو هذا من أن يكون الموكل علم بمخالفة الوكيل له، ودنانيره بعينها قائمة في يد المسلم إليه، أو ليست بقائمة ولا معلومة العين. فأما إن كانت قائمة بعينها، وثبت ذلك بالبينة، أو على إقرار الوكيل عند دفعها، بأنها للموكل، فإن من حق مالكها أن يسترجعها من يد المسلم إليه. وقد ذكر في المدونة أنه لا طلب للموكل على المسلم إليه. وهذا إنما يصح على أن الدنانير لم يثبت كونها هي عين ما دفعه الموكل، فإذا لم يثبت ذلك للموكل صارت في معنى ما فات عينه. فإذا فات عين الدنانير لم يكن للموكل رجوع بها على المسلم إليه، وإنما يرجع بذلك على الوكيل الذي تعدى فيها عليه.

إلى هذا التأويل أشار فضل بن سلمة وقدر أن الموكل إذا استحق عين الدنانير فلا وجه لصرفه عن عين ماله، وإذا كان لا يستحق إلا مثلها في ذمة، فذمة المتعدي عليه أولى بالطلب من المسلم إليه.

ولو كان دفع الموكل إليه ثوبا ليسلمه. له فيما ذكرناه فأسلمه في غير ذلك من الأجناس، لأخذه الموكل إن شاء، ولو غاب عليه المسلم إليه؛ لأن الغيبة عليه لا تمنع من العلم بعينه، بخلاف الدنانير وما لا يعرف بعينه. هذا حكم رجوع الموكل مع قيام رأس المال عينا كان أو عرضا، وما يعرف بعينه لتعلق الأغراض فلا يلزم إمضاء العقد مع ذهاب الغرض الذي وقع العقد لأجله.

وأما إن كان رأس المال مما لا يعرف بعينه كالدنانير وما في معناها فإنه إذا ارتجعها من يد المسلم إليه لم ينفسخ العقد وألزم الوكيل المتعدي غرامتها للمسلم إليه لأنه مطلوب بالثمن، وقد استحق ما دفعه منه. وإذا استحق الثمن وهو عين فإن العقد لا ينفسخ، ويلزم العاقد غرامة مثله، والعاقد ها هنا الدافع لهذه الدنانير المستحقة، وهو الوكيل. لكن لو عقد السلم على وجه لا يكون عليه فيه - تباعة بالثمن، فإن بين أنه وكيل أو رسول الموكل، ليباع منه المسلم فيه، فإنه ها هنا لا يطالب بغرامة ما استحق من الثمن. وإذا لم يطالب بغرامة، انفسخ العقد في السلم، لكون المسلم إليه لا يجد من يطالبه برأس المال. هذا لو ضاع رأس المال وحكم فسخ (1) العقد. وأما لو أراد الموكل ألا يرتجع رأس المال بل يمضي العقد ويجيزه، فإنه إذن لم تجب له غرامة على أحد، وإنما استحق أخذ رأس المال من يد المسلم إليه، عينا كان أو عرضا، فإن له أن يجيز تعدي الوكيل، ويمضي العقد، ويصير قد ملك استرجاع عين رأس المال وفسخ العقد في حق نفسه، فلا يحرم عليه أن يستأنف عقدا برأس المال الذي ملك استرجاعه، دنانير كان أو عرضا.

وأما إن وجبت له غرامة مثل رأس المال أو قيمته إن كان عرضا، قيل:

يمكن من إجازة هذا العقد وإبقائه على ملك نفسه. هذا فيه قولان: منعه في المدونة، وأجازه مالك في كتاب ابن حبيب - وسبب هذا الاختلاف أنه قد تقرر أنه لا يجوز بيع دين بدين، والغرر (1) أنه يجوز استئناف عقد سلم بمال يدفعه المسلم. فمن رأى أن الموكل كان بالخيار في إمضاء العقد أو رده وأنه إذا اختار أحد الأمرين، وهو إمضاء العقد، فكأنه لم يقع العقد إلا على رضاه، وارتفع عن العقد حكم التعدي. وإذا قدرنا أن ما يترقب من إجازة العقد إذا أوقعه، كأن العقد لم يزل ماضيا جائزا، فإنه لا يتصور ها هنا بيع دين بدين، وإن قدرنا أنه وقع ما توقيناه (2) منه من الإجازة فإن العقد لم يثبت له حكم الإمضاء في أصله، وإنما ثبت له الآن، فإن هذا يمنع لأن هذا بالعقد الذي تعدى فيه الوكيل استحق أن يغرمه رأس المال فانتقل عن هذا الذي استحق من الدفع للموكل رأس المال إلى أن أخذ عوضا عنه المسلم فيه، فمنع من ذلك، لكونه دينا بدين. وأيضا فإنه قد ملك أن يرد العقد؛ لأنه لم يقع عن إذنه، وملك أن يجيزه لأن الوكيل مقر أنه إنما عقده لموكله لا لنفسه. فإذا قلنا: من ملك أن يملك إنه كالمالك، جاز ذلك؛ لأنه لم ينتقل عن الرضا بالسلم فيه عن مال تحقق له، وإن لم ينظر الموكل في ذلك إلا بعد أن حل أجل السلم، وقبض المسلم فيه، فإن له إجازة العقد من غير خلاف، لارتفاع ما صورناه في هذا القسم من أن يتصور فيه بيع دين بدين. وقصارى ما يتصور فيه أنه باع ما يستحق أن يغرمه الوكيل من رأس المال بعرض يأخذه في الحال، وصارت المسألة على ثلاثة أقسام: إما إجازة الموكل، وقد استحق أخذ عين رأس المال، فإنه جائز: وإما إجازة ذلك وقد قبض السلم بعد حلوله، وهو عرض، فإنه جائز له ذلك أيضا. وإما إجازته ذلك، ولم يستحق أخذ عين رأس المال، ولم يحضر المسلم فيه، فيأخذه، وقد وجبت له غرامة رأس المال على الوكيل أو على المسلم إليه، فإن في تمكينه من إجازة هذا العقد قولين، ووجههما ما بيناه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٧