تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودفعوا عن هذا الفرق بين صلح المتوسط وصلح المدعى عليه وهو منكر، بأن المتوسط إقراره لا يتوجه على المدعى عليه، ولا يلزمه منه شيء، فأخذ المال من المتوسط لم يبذل عنه عوضا ثبت ملكه له ولا وجب استحقاقه له، فوجب أن يمنع من المتوسط كما يمنع من المدعى عليه المنكر للدعوى.

ومما ينبني على النظر في صرف الصلح على الإنكار أن المدعي المعاوضة عن الدعى فيه، أو المعاوضة على إسقاط الطلب باليمين والخصام، وقوع الصلح على الإنكار بشقص من دار. فقد اختلف هل فيه الشفعة أم لا؟ فقال أصبغ: لا شفعة فيه، لأن البذل في الصلح على الإنكار كالهبة من المدعى عليه للمدعي.

واستدل على هذا بأن الصلح إذا وقع على وجه حرام فإنه لا ينقض. واستند في هذا أن علي بن أبي طالب رفع إليه صلح على حرام فقال: لولا أنه صلح لنقضته.

والمشهور من المذهب عندنا أن الصلح على الحرام ينتقض قرب زمن الصلح أو بعد. وإنما الذي لا ينقض إذا بعد زمن الصلح الصلح على مكروه.

واختلف مطرف وابن الماجشون في نقض الصلح على مكروه، إذا نظر بحدثان الصلح. وقد قيل: إن الصلح بشقص من دار فيه الشفعة، وإن وقع الصلح على الإنكار. ويستشفع الشقص بقيمة المدعى فيه.

وأنكر بعض الأشياخ هذا، ورأى أن الأولى الصلح بقيمة الشقص، كما تكون الشفعة بقيمته إذا عقد به نكاح.

ورأى بعضهم أن الشفعة تكون بالأقل من قيمته أو قيمة المدعى فيه.

وسنبسط هذا في كتاب الشفعة إن شاء الله. وإنما أوردنا ها هنا الخلاف في الشفعة في الصلح على الإنكار، لأنا قدمنا ما قاله النظار في صرف المعاوضة في

الصلح على الإنكار إلى المعاوضة عن نفس المدعى فيه أوجب الشفعة بقيمة المدعى فيه. وهو أحد القولين. ومن صرفه إلى الافتداء من اليمين لم يوجب الشفعة على ما سيبسط القول فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

أما صلح المشتري عن عيب يطلع عليه بالمبيع قبل أن ينفسخ العقد بالرد بالعيب، فإنه قد ذكر في المدونة، فيمن اشترى عبدا بدنانير، فاطلع على عيب، فصالحه البائع، على أن لا يقوم به، بشيء دفعه. وذكر حكم أنواع مما يدفعه البائع في الصلح عن هذا. ونحن نبدأ قبل ذكر أحكام هذه الأنواع بالتنبيه على ما تستند إليه فروع هذه المسألة. فاعلم:

أن أصل ابن القاسم في هذا الأخذ بالأحوط، وصرف الصلح عن هذا العيب الذي ذكرناه في المدونة إلى كونه استئناف مبايعة ثانية، بعد تقدير كون الأولى قد انفسخت. فيعتبر ما يحل ويحرم في هذه المعاملة الثانية. وتعرض هذا على ما تقدم في كتاب البيوع، من تحريم ما يوقع في ربا أو بيع وسلف أو فسخ دين في دين. وأصل أشهب أن هذه المعاملة الثانية، وهو الصلح، ليس بفسخ العقد الأول تحقيقا ولا تقديرا، وإنما هو معاوضة عن ترك منازعة وإسقاط حق في أن لا يقام بعيب. فيعتبر ما يجوز أخذه عوضا عن إسقاط هذه المطالبة بالرد، غير ملتفت إلى تقدير كون هذه المعاملة الثانية استئنافا لعقد بعد فسخ الأول.

وقد كنا قدمنا نحن ما يلاحظ هذه الإشارة لما ذكرنا اختلاف فقهاء الأمصار على جواز الصلح على الإنكار، وأن منهم من أحاله ومنع منه لكون المعاوضة إنما تقع على عين المدعى فيه، والمعاوضة عنه تستحيل في حق المدعى عليه، فيجب أن يستحيل في حق المدعي. وأن منهم من أجاز الصلح على الإنكار وغلب جانب المدعي في تصور المعاوضة منه على جانب المدعى عليه. وأنهم عضدوا ذلك بأنه قد ينصرف الصلح إلى إسقاط يمين وجبت على

المدعى عليه وإسقاط خصام. وكذلك يصرف أشهب ما يفرعه من هذه المسألة في الصلح عن العيب إلى كونه معاوضة عن إسقاط حق في الرد بالعيب.

ويصرفه ابن القاسم إلى معاوضة مستأنفة عن العبد.

ومما قد يلاحظ أيضا (1) هذه المسألة اختلاف أهل المذهب في فروع كثيرة بني اختلافهم على النظر فيمن خير بين شيئين، هل يقدر أنه مالك لما قدر أن يختاره أم لا؟ والمشتري لهذا العبد المعيب ملك أن يتمسك به وملك أن يرده. فهل يقدر أنه مالك لرده قبل أن يختار ذلك، فيكون الصلح على ما ملك في هذه العين. أو لا يكون مالكا إلا لما اختار وهو التمسك بالعبد؟ فإذا تقرر هذا، عدنا إلى مسألة المدونة التي مثل بها هذا الأصل. فنقول: لا يخلو الصلح عن العيب من أن يقع بعد أن دفع المشتري الثمن للبائع أو قبل أن يدفعه. وكل واحد من هذين القسمين لا يخلو الصلح فيه من أن يكون بعوض معجل أو بعوض مؤجل، وقد فات المبيع أو لم يفت.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٦٣