تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذهب ابن المسيب ويحيى بن سعيد وربيعة إلى تمكين الإمام من هذا إذا رآه من المصلحة. وهو أحد القولين عندنا.

وقد سئل عن الإمام يقول للجزارين: بيعوا لحم الضأن رطلا بدرهم، ولحم الإبل نصف رطل بدرهم. إن هذا لا بأس به. ولكن يخاف أن يقوموا.

فأشار إلى جواز التسعير في هذه الرواية من ناحية الفقه، ولكن وقف فيها إلى جواز التسعير من ناحية المصلحة، لأنه لا أحد من العلماء يبيح للإمام أن يحجر على الناس أموالهم تحجيرا لا مصلحة فيه للجمهور.

وإنما يقع الاضطراب فيما فيه مصلحة. فمن يلتفت إلى القضاء بالمصالح أباح التسعير، ومن يلتفت إلى مضرة أصحاب الأمو الذي أن يحجر عليهم في أموالهم الثمن الذي يختارونه منع من التسعير. فصار الأمر ينحصر إلى أنه متى كان التحجير لا يتضمن مصلحة فإنه يمنع منه، ومتى كانت المصلحة لا تقابلها

مضرة ولا مفسدة لأحد فإنه يجوز للإمام فعله. وإنما يقع الإشك الذي ما امتزج فيه ضرر ونفع، كما مثلنا به.

وقد أشار ابن حبيب إلى أن الخلاف في التسعير فيما سوى القمح والشعير وشبههما. وهذا الذي قاله لا يتضح له وجه، إلا أن يحمل على أن ذلك في حق جالب الطعام من بلد إلى بلد. وإلى هذا المعنى أشار، لأنه لما ذكر هذا قال: إن القمح والشعير يبيعه الجالب، ولا يمكن من يشتريه منه للتجارة ليبيعه على يديه. بخلاف غيره من الممتلكات التي تباح للتجارة أن يشتروها من الجالبين ليبيعوها على أيديهم.

وهذا حكم التسعير على المحتكر قد بيناه والمسألة تستند إلى آثار. فمما يعول عليه من ذهب إلى النهي عنه ما خرجه الترمذي في كتابه عن النبي عليه السلام أنه "لما قيل له: سعر لنا، يا رسول الله. فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يتبعني بمظلمة في دم ولا مال" (1) الحديث كما ذكره الترمذي، وأردفه بأن قال: هذا حديث حسن صحيح.

وإطلاق هذا الحديث بعمومه يقتضي منع التسعير على الجملة على الجالب والمحتكر في المدينة.

وأما من ذهب إلى جواز التسعير فإنه يحمل هذا الحديث على أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما طلب منه أن يسعر على الجالب، فلم يفعل، وفيه قال ما قال. وقد ذكرنا الاتفاق على أنه لا يسعر على الجالب. ويخص هؤلاء هذا العموم بفعل الصاحب. وقد اختلف أهل الأصول في تقليد الصاحب، لا سيما إن كان إماما من الخلفاء الراشدين. وقد ذكر مالك في الموطأ أن "عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يحاول بيع زبيب له، فقال له: بيع بكذا، أو فأدخل زبيبك بيتك". وقد روى هذا الحديث غير مالك بأتم من روايته؛ فذكر أنه إنما

"مر به، وبين يديه حملان زبيبا، فقال له: كيف تبيع هذا؟ فقال: رطلين بدرهم. فقال: بلغني أنه تقدم من الطائف رفقة، أخاف أن يقتدوا بك، فرخص على الناس أو أدخل زبيبك بيتك".

ومن يمنع التسعير يجيب عن هذا بأنه: لا يخص حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - بمذهب ذهب إليه الصاحب رضي الله عنه. وأيضا فإنه قد ذكر عن عمر رضي الله عنه أنه عاد إلى حاطب بن أبي بلتعة فاعتذر إليه، ورجع عن قوله، وأخبره أنه قال ما قال من غير عزم عليه (1).

وإذا تقرر الخلاف في التسعير، وسبب الخلاف فيه من اختلاف هذه الآثار وتأويلها، فإنا نذكر صورة صفة التسعير. فقد قال ابن حبيب: إذا حاول الإمام التسعير، فإنه يجمع وجوه أهل السوق الذين يسعر عليهم، ويستظهر على صدقهم بغيرهم ممن هو ليس من أهل السوق، ويسألهم عما يشترون به ما يبيعونه من الناس، فإذا عرف ثمنه سألهم عن مقدار ما يربحون، ونازلهم في ذلك بقدر ما يراه مصلحة للناس، ولا يكون فيه إضرار بهم في الربح، فإن وافقهم على شيء فتراضوا به، فحينئذ من تعداه من أهل السوق وعاند أمره أخرجه من السوق. قال: وعلى هذا أجاز من أجازه. قال: وإنما يكون التسعير في المكيل والموزون، طعاما كان أو غيره، دون العروض. فكأنه رأى أن العروض تراد لأعيانها، وتختلف الأغراض فيها، بخلاف المكيل والموزون الذي تتساوى الأغراض في جنسه. وأشار إلى ما كنا قدمناه من الخلاف في التسعير أنه لم يرد به جبر الناس على بيع أموالهم بثمن معلوم، ولا أن يحرم عليهم تعدي ما يعد لهم من الثمن، ولكن إذا تراضى هو وأهل السوق على البيع بسعر صار من خالف ذلك من سوى أهل السوق أدخل ضررا على المسلمين، فوجب أن يعاقب عليه بإخراجه من السوق، أو غير ذلك. فهذا حكم التحجير والتسعير الذي يعود بصلاح العامة والجمهور.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٤٠