تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكذلك يجب أن يحترم اسم الله، سبحانه، عن النجاسة. وأجاز ابن كنانة معاملتهم بها. وقال: لم يزل اليهود والنصارى والحائض يمسها قديما وحديثا، ولا ينكر ذلك أحد من العلماء، فيما علمناه. وهذا يلتفت فيه إلى كون هذا المحرم نزر الجرم وكونه مما تدعو الضرورة إلى إباحته، ألا ترى أنه يمنع السفر بالقرآن إلى أرض العدو، وقد كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل ملك الروم: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله﴾ (3) الآية. وهذا لكون هذا مما دعت الضرورة إليه مع كونه نزر الجسوم. وكذلك الجنب يقرأ القليل من القرآن متعوذا، للحاجة إلى ذلك. ولا يقرأ الكثير.

وكذلك الدنانير والدراهم رأى ابن كنانة أن هذا مما تدعو الضرورة إلى

المعاملة به، مع كون ما كتب فيه نزر الجرم.

ورأى ابن القاسم أن هذا لا ضرورة فيه تبيح هتك هذه الحرمة فلم يجز ذلك.

وقد اختلف في تعليق الحرز على اليهود والنصارى فيه شيء يسير من القرآن، وهو جار على هذا الأسلوب الذي ذكرناه.

وكذلك اختلف في الخاتم فيه اسم الله هل يستنجى به؟ فأجازه مالك للضرورة إليه. ومنع منه ابن القاسم لورود. الخبر بأنه - صلى الله عليه وسلم - ينزع خاتمه إذا دخل الخلاء (1). وقدر مالك أن هذا مما يشق لتكرره فأجازه.

وألزم على هذا أن يقول ما قال ابن كنانة من جواز مبايعة اليهودي والنصراني بالدنانير المنقوش فيها اسم الله، تعالى، للضرورة إلى ذلك أيضا.

وهذا قد لا يلزم لإمكان أن يكون مالكا، رضي الله عنه، رأى أن الضرورة في الخاتم ليست كالضرورة للدنانير والدراهم.

وانظر إلى ذكر ابن كنانة الحائض مع اليهودي والنصراني في جواز مس الدنانير والدراهم، هل يشير هذا إلى أن ابن القاسم ينهى الحائض والجنب عن مسن الدنانير والدراهم؟ أو إنما ذكر ذلك كالحجة بما كونه عنده متفقا عليه؟

وقد كان بعض الأشياخ لا يرى أن يكتب في وثائق اليهود والتصارى البسملة إذ لا تدعو ضرورة إلى العفو عن ذلك.

والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:

قد تقدم فيما سلف من كلامنا في البيوع حكم ما يجوز بيعه وما لا يجوز، وإن ما لا منفعة فيه لا يجوز بيعه وإن كان حلالا في عينه كالخشاش وشبهه مما لا منفعة فيه. وكذلك ما فيه منفعة وهي محرمة ولا منفعة فيه محللة كالخمر والخنزير وشبه ذلك. فإن بيعه محرم لكون المنفعة لما حرمت صارت كالعدم ولحق ذلك بما لا منفعة فيه أصلا. وزاد هذا عليه بكونه حراما في عينه. وما

اختلطت فيه المنافع محرم بعضها وحل بعضها اعتبر فيه المقصود منه هل هو المحلل، فيجوز على الجملة بيعها، أو المقصود المحرم فيمنع بيعه، على ما تقدم تفصيل القول فيه في موضعه.

وإذا تقرر أن الخمر لا يحل شربها، ولا منفعة فيها إلا الشرب حرم بيعها، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" (1) وقوله: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" (2).

لكن يبقى فيها نظر آخر وهو صحة حيازتها وإقرارها في يد المسلم. فأما إقرارها في يده وصحة حوزه لها فإن كان الغرض بذلك شربها فإن ذلك يمنع منه، ويوجب إراقتها عليه.

ولو كان ليخللها جرى ذلك على. الاختلاف بين أصحابنا في جواز استعمالها إذا صارت خلا بتخليل من هي في يديه لها. فمن منع استعمالها إذا صارت خلا من قبل من هي في يديه لم يصح إقرارها في يديه ولا يصح حوزه لها. ومن سهل في أكلها إذا خللها أمكن ألا يمنع من بقائها في يديه، ولا تراق عليه إذا أمن من شربه لها خمرا.

ويثمر هذا اختلافا في مسلم غصب خمرا من يد مسلم، فصارت في يد الغاصب خلا.

فإن قلنا: إن من كانت في يده لا يصح منه حوزها ولا تقر في يديه، فإن ما صار خلا في يد الغاصب يكون للغاصب. كما لو وجده في فلاة غير مملوك لأحد ولا عليه يد أحد.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤١٣