وأما حكم الزيادة مثل أن يبيع عدلا على أن فيه خمسين ثوبا فيجد فيه إحدى وخمسين (1) ثوبا. فإنه اختلف قول مالك في ذلك فقال مرة: يكون البائع شريكا بجزء من اثنين وخمسين جزءا. ثم قال: يرد ثوبا كعيب وجده. فقال ابن القاسم: فقلت له: أفلا يكون شريكا بجزء من اثنين وخمسين جزءا؟ فانتهرني
وقال لي: يرد ثوبا كعيب وجده. فاختار ابن القاسم قوله الأول.
واختلف المتأخرون في تأويل قوله:. يرد ثوبا كعيب وجده. فقال بعضهم: يرد المشتري أي ثوب شاء. لأنه إذا رد ثوبا، اختار رده، بقي الباقي مطابقا للصفقة التي عقد البيع عليها، فلم يكن للبائع مقال.
وقال بعضهم: بل يرد ثوبا وسطا منها ليكون ذلك عدلا بينهما.
وأشار بعضهم إلى أنه إذا رد ثوبا بحكم اختياره، فإنه يقوم، فإن صادفت قيمته كونها جزءا من الجملة التي هي اثنان وخمسون لزم ذلك البائع. وإن كان الثوب أكثر من قيمة الجزء الذي يكون فيه شريكا أو أقل من ذلك، وقعت المشاركة في الثوب المردود إن زادت قيمته على التجزئة، أو وقعت المشاركة في ثوب آخر إن كانت القيمة أنقص.
وممن سلك هذه الطريقة من رأى أن النقص والزيادة لا تقع بهما مشاركة وإنما يقضى فيهما بالقيمة، دنانير كانت أوب راهم؛ لأن المحاكمة إنما قصد بها انفراد كل واحد بملكه، فإذا وقعت المشاركة خرج الحكم عما قصد إليه المتبايعان.
وأشار بعضهم إلى اختلاف قول مالك رضي الله عنه ربما صرف إلى كون التقويم لا بد منه. وإنما قال مرة: إن ثبوت المردود مصروف إلى اختيار المشتري ثم يقوم، وقال مرة: ليس ذلك بمصروف إلى اختياره، بل إلى ما تخرجه القرعة، كما يفعل في وارثين ورثا ثيابا، وأرادا رفع الشركة فإنما ترفع بالقرعة.
فصل يشتمل على مسائل في المدونة في كتاب بيع الغائب.
فمنها: قوله بإجازة شراء ممر في دار. وقد كنا نحن نبهنا في كتاب البيوع الفاسدة على أنه ما يحرم تملكه لا يجوز بيعه كالخمر والخنزير؛ لأن المنفعة. إذا كانت موجودة، ولكن الشرع حرمها ومنع منها، فإن المعاوضة تكون من أكل المال بالباطل. وكذلك إذا كان المبيع يصح تملكه ولا منفعة فيه في الحال،
كدار تباع أو عبد كبير يباع، فإن ذلك مما ينتفع به في الحال والمآل، وما لا ينتفع به في الحال كطفل رضيع يباع، فإنه ينتفع به في المآل دون الحال، فإن البيع فيه لا يجوز لعدم المنفعة أيضا. ولهذا قال أشهب في هذه المسألة: إنما يجوز البيع إذا كان مشتري هذا الممر يتوصل به إلى ما ينتفع به، كأرض له يصل لينتفع بها من هذا الممر.
وهذا الذي قاله تأويل لا بد من حمل ما في المدونة عليه. لأنه إذا كان يشتري خطوات يخطوها في دار إنسان ذاهبا وراجعا لا يتوصل بها إلى ما ينتفع به في الحال، أو يعلم أنه سيكون في المال، فإن هذا من إضاعة المال. وإذا كان يتوصل بذلك إلى ما ينتفع به في المآل، وكان هذا شرطا في صحة هذا البيع، فإنه لو استحق هذا المنتفع به الذي اشتري الممر إليه، فإن البيع في الممر يبطل، لكون استحقاق هذا يشعر بأن المبيع عقد على أمر لا منفعة فيه، وذلك من إضاعة المال. وقصارى ما في هذا الجهل بشرط صيغة هذا البيع، أو اعتقاد حصوله، فكشف الغيب أن هذا الاعتقاد باطل، فينقل الحكم في هذا إلى أصله، وهو كون المشتري أضاع ماله، كمشتري أرض بها زرع لم يبد صلاحه فإن ذلك جائز. فلو استحقت الأرض لبطل البيع في الزرع، لكون جوازه من شرطه كونه تبعا للأرض، فإذا كشف الغيب أن العقد إنما وقع على مجرده انتقل الحكم إلى أصله في منع بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه.
وقد ذكر في هذا الكتاب في المدونة فيمن باع عمودا عليه بناء للبائع: أن ذلك جائز. والذي ذكره من جواز هذا يفتقر إلى شرطين: أحدهما أن يكون هذا البيع لا يتضمن إضاعة مال وفساده، مثل أن يكون البناء الذي على العمود كثير مقداره، كثير ثمنه بحيث يعلم أن هدمه وإفساده والعوض عن هذا ثمن نزر يأخذه في العمود لا يفعله إلا السفهاء ومن لا ميز له ولا يحسن تدبير المال.