تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما لو كان مالك أعارها لرجل ليس في سلف يتسلفه لنفسه، فإن القول

قول المعير في مقدار ما أذن المستعير أن ير هنا (1) فيه لأن المستعير كموهوب له والمعير كواهب. والقول قول الإنسان فيما وهب من ماله.

ولو كانت قيمة الرهن ها هنا عشرة، والمعير يقول: ما أعرتها إلا على أن يرهنها في خمسة. فحلف المعير وأخذها إذا قبض من هي في يديه خمسة، ثم لا يكون قيمتها حجة على المستعير في أنها رهن في عشرة التي هي قيمتها، لكون المعير لما حلف استحق ارتجاعها فخرجت بذلك عن أن تكون رهنا.

فصار القول قول المستعير في مقدار ما تسلف عليها لكون المسلف له لا رهن بيده يحتج به، والرهن إنما يكون شاهدا على نفسه على ما سنذكره في كتاب الرهن ونذكر الخلاف فيه، إن شاء الله تعالى.

ومما يلحق باختلاف الوكيل والموكل قول الوكيل: أمرتني أن أبيع لك هذه السلعة. وقال ربها: بل بعتها منك. وقد باع هذه السلعة من زعم أنه وكيل على بيعها، فإن ربها يحلف على أني ما وكلتك على بيعها، ويحلف من زعم الوكيل على أنه لم يشترها، ويرتجعها ربها إن كانت قائمة، وإن فاتت فقيمتها بدل عينها تؤخذ من مفيتها، إلا أن تزيد القيمة على ما يدعيه ربها من الثمن فلا يزاد، لاعترافه أنه لا يستحق أكثر من الثمن الذي يزعم أنه باعها به ممن زعم أنه وكله على بيعها.

وقد عورض هذا بأن هذا الاختلاف تضمن الاتفاق منهما على أن مشتريها من هذا الذي يزعم أنه وكيل على بيعها، وقد عقد منه شراءها بوجه لازم. فإن كان ربها صدق في أنه باعها، فهذا الذي باعها من هذا المشتري التي تؤخذ من يديه، باع منه ما ملك، وما يلزم فيه بيعه على مقتضى دعوى رب السلعة. وإن كان الذي زعم أنه باعها (2) بيع وكالة فلا يسوغ لربها أن ينتزعها من يد من اشتراها من يد وكيله. لكن إنما كان المذهب في هذا ما قدمناه من تمكين ربها من أخذها إذا حلف على صحة دعواه لكونه لم يقر بصحة بيع (هذا الذي زعم أنه

وكيل، إلا على أن في ذمته ويبيعها على ملكه ويكون للمشتري منه العهدة عليه) (1). فإذا لم يحصل هذا لرب السلعقا، بجحود من زعم أنه اشتراها منه عادت إلى ملكه، كمن ادعى على رجل أنه اشترى منه سلعة فأنكر وحلف، فإن السلعة تعود إلى ربها، ثم ينظر في استباحة ربها التصرف فيها أو بيعها في الثمن الذي جحده من اشتراها منه، على ما تقدم ذكره وبيانه، وقد ذكر في المدونة سؤالا ليس هو من اختلاف الموكل والوكيل، فرأينا أن نذكره ها هنا أيضا. وقد قدمنا الأصول التي يؤخذ منها حكمه في كتاب السلم.

وذلك أنه قال في مشتر اشترى من رجل طعاما فوجد به عيبا فأتى ليرده على بائعه؛ فزعم البائع أنه أمسك من الطعام الذي باعه نصفه. فقال في الكتاب: القول قول المشتري إذا قال: ما اشتريت إلا نصف حمل، وقال البائع: بعتك حملا كاملا. كما لو باع منه سلعة فوجد بها عيبا، فلما ردها يالعيب، قال البائع: قد بعتك معها سلعة أخرى، فلا تستحق قبلي جميع الثمن لأجل ما أمسكت من الصفقة.

فصدق المشتري، ها هنا، لما وجب انتقاض العقد لوجود العيب. وانتقاضه يوجب رد ما قبضه البائع على أنه ثمن المبيع، فيقتضي هذا تصديق المشتري، ويصير البائع مدعيا على المشتري أنه يستحق عليه مما قبضه منه من الثمن ما قابل المقدار الذي أمسكه المشتري وجحده.

وقد كنا قدمنا في كتاب الرد بالعيب أن مذهب أشهب وهو اختيار ابن المواز ما يشير إلى عكس هذا التعليل، وينقلب الأمر فيه حتى يصير المشتري هو المدعي. وذلك أنه قال فيمن باع من رجل ثوبين وفات أحدهما ووجد بالآخر عيبا، فأتى ليرده ويسترد ما قابله من الثمن، وزعم أنه في القيمة ثلثا الصفقة، وقال البائع: بل هو ثلثها. فصدق أشهب البائع فيما زعم، لكون المشتري مقرا بأن ذمته قد استقر فيها جملة الثمن استحقها البائع عليه، ويزعم أنه أسقط عنه بعضها، فلا يصدق فيما يدعي سقوطه عنه. كما لا يصدق من أقر بدين وادعى سقوطه بالقضاء.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٨٤