تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

إذا زعم الوكيل على شراء سلعة أنه لم يقبض ثمنها من الموكل. وزعم الموكل أنه دفع ذلك إليه. فإنه إن لم يكن الوكيل نقد للبائع الثمن، فإن القول قوله أن الموكل لم يدفع ذلك إليه؛ لأن المطالبة بالثمن من حق بائع السلعة،

وهذا الوكيل واسطة بينه وبين من اشتراها. فصدق الوكيل أنه لم يقبض ثمنها من الموكل، ويحلف الوكيل أنه لم يدفع ذلك إليه. ويطالب الموكل بدفع الثمن لأن الأصل براءة الوكيل من قبض مال الموكل دينا أو أمانة. ومن استمسك بالأصل فهو المدعى عليه.

وأما إن كان الوكيل دفع ثمن السلعة لبائعها منه، ثم طالب الموكل بالثمن، وزعم أن الثمن المدفوع من عنده سلفا للموكل وزعم الموكل أن الثمن المدفوع للبائع هو دفعه إليه. فظاهر المذهب على قولين: هل يصدق الموكل أو الوكيل؟ ففي سماع ابن القاسم فيمن وكلته زوجته على شراء شيء، فأتى يطالبها بالثمن بعد ما اشترى ما وكلته عليه، فزعمت أنها دفعت ذلك إليه، وقد قبضت منه ما وكلته على شرائه، فإن القول قول الوكيل: إنه لم ينقد الثمن للبائع. وإن كان نقده فالقول قول الزوجة.

وروى عيسى في رجل وكل رجلا على شراء سلعة فاشتراها، وزعم الموكل أنه قد دفع ثمنها للوكيل، فإن القول قول الوكيل: إنه لم يدفع إليه.

وإنما وقع هذا الاختلاف إذا كان الوكيل قد نقد للبائع ثمن ما باعه منه ولم يقع هذا الاختلاف إذا كان لم ينقد للبائع لأجل أنه إذا كان قد نقد البائع فقد سقط مقال البائع في المطالبة بالثمن، وانقطع بذلك علائق الوكالة، لكون الوكيل مقرا أن الذي اشتراه قد ملكه الموكل، وأن البائع قد وصل إليه العوض عن ذلك. فجعلت المطالبة بينه وبين الموكل فصار مدعيا عليه أنه أسلفه سلفا، ومن ادعى عليه أنه قد أسلف فالقول قوله.

ورأى من ذهب إلى القول الآخر أن الثمن لما أقر الموكل أنه لم يصل إلى يد البائع إلا من يد الوكيل ومن حوزه، والقول قول الحائز أن الذي خرج من يده ملك له، فوجب لأجل هذا تصديقه أن لم يقبض الثمن من الموكل، كما لو لم يكن نقد الثمن للبائع فإنه يصدق في ذلك، لأن الأصل عدم قبضه من يد غيره دينا وأمانة.

وقد أشار بعض الأشياخ إلى دفع الخلاف في هذا من ناحية العقد. وتأول ما قيل في اختلاف الزوجين في الثمن المدفوع على حسب ما نقلناه من سماع ابن القاسم على أن ذلك إنما قيل لعادة جرت بين الزوجين بصدق من شهدت له العادة.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

إذا وكل على بيع سلعة فباعها، وزعم أنه أوصل ثمنها للموكل، فإنه يصدق في ذلك، لأنه مؤتمن على هذا، فوجب تصديقه، كما يصدق المودع في أنه رد الوديعة لمودعها له (1).

وكذلك كل ما وكل عليه وجعل في. يده أمانة، فإنه يصدق في رده لمن ائتمنه عليه. وذكر أبو حامد الاسفرائيني أن عندهم اختلافا في تصديق الوكيل إذا قال له الموكل: إنك لم تبع ولم تقبض الثمن، إذا زعم الوكيل أنه باع وقبض الثمن وضاع. وذكر عن بعض أصحابهم أن المذهب عندهم على قول واحد في أن الوكيل لا يصدق في ذلك لقول الشافعي: من وكل أن يبيع سلعة ويشتري بها شيئا. فقال: فعلت وضاع، أنه لا يصدق.

وهذا عندي يستند إلى مسألة أخرى على أنها عندهم على قولين. وهي من وكل على بيع سلعة هل يتضمن ذلك توكيله على قبض الثمن لأجل أنه قد يراه الموكل أهلا لعقد البيع لحذقه، ولا يراه أهلا لقبض الثمن لضعف أمانته؟ وهذا كما حكي عندهم اختلاف فيمن وكل على قبض شيء هل له أن يخاصم فيه؟ لكون القبض يتضمن ذلك أو لا يمكن الوكيل من ذلك لكونه قد يرضى الموكل أمانته ولا يرضى معرفته بالخصام؟ ولو كانت الوكالة تحصل لصدق في رذ ما وكل عليه أيضا؛ إذا كان أصل الدفع إليه بغير إشهاد. كما يصدق في القراض إذا أخذه بغير بينة، والأصل في هذا تصديق المودع في الوديعة إذا أخذها بغير بينة، ولأصحاب الشافعي في. هذا وجهان: أحدهما تصديق الوكيل

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٧٦