ومذهب الشافعية من هذا الأصل الذي ذكرناه من اختلاف الوكيل والموكل، في مقدار ما أمر الوكيل أن يشتري به، أن القول قول الآمر. لأنه لو أنكر أصل الإذن لقبل قوله، فكذلك يقبل قوله في تفصيل الإذن وصفته.
وكذلك قاسوا ذلك على أن الزوج لما كان القول قوله في أنه لم يوقع طلاقا، فكذلك يكون القول قوله في عدد الطلاق الذي أوقع إذا ادعت عليه الزوجة أكثر مما أقر به من عدد الطلاق، والأصل ثبوت العصمة، فيجب أن يصدق الزوج في مقدار ما أحدثه في العصمة كما يصدق في أنه لم يحدث فيها شيئا. وها هنا إذا صدق الآمر فيما يلزم الوكيل غرامة، وقد ائتمنه على التصرف له، كنا ألحقنا بالوكيل ضررا وغرامة بدعوى الآمر عليه.
وعلى هذا القياس جروا في رجل أمر رجلا أن يشتري له عبدا بألف دينار فقال الوكيل: قد فعلت. وقال الموكل: لم تشتره إلا بثمانمائة، فإن القول قول الموكل لما كان مصدقا في إنكار أصل الإذن. فكذلك يجب عندهم أن يصدق في تفصيله.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الموكل إن كان قد سلم الألف إلى الوكيل فإن الوكيل يقبل قوله فيما زعم أنه اشترى بالألف لكون الموكل ها هنا يطلب عليه غرامة (الوكيل بعض) (1) ما دفع إليه وائتمنه عليه. وإن كان لم يدفع الألف إليه
فإن القول قول الموكل، لكون الوكيل ها هنا يطلب غرامة الموكل.
والظاهر من مذهبنا أن الوكيل مصدق في الوجهين لأنه قد أؤتمن على هذا الفعل، وذكر أنه فعل ما وافقه الموكل على أنه ائتمنه عليه. فسواء دفع الألف إليه، أو أمره أن يعقد بها على ذمة الموكل.
وإن كان قد ذكر بعض أصحاب الشافعي: أن الوكيل إذا قال: قد دفعت ما أمرني الموكل ببيعه وقبضت ثمنه فضاع. وقال الموكل: لم تبع ولم تقبض الثمن. فإن في المذهب عندهم قولين: هل يكون القول قول الآمر أو المأمور؟ والمشهور عندهم أن القول قولا الآمر. (وهذا نقيض ما قالوه في اتفاقهما على أن الآمر موقع شراء العبد بألف، واختلفا في المقدار الذي اشتراه به) (1).
وقد اختلف فيمن دفع إلى رجل مائة دينار ليدفعها إلى عمر. وقال: بذلك أمرني ربها. فروي عن مالك: أن القول قول الآمر. وقال ابن القاسم: القول قول المأمور ها هنا، بخلاف أن ينكر الآمر أن يكون أمره بدفعها إلى أحد، فإن القول عنده قول الآمر. ففرق بين إنكار الإذن من أصله، أو الإقرار، وخالف في تفصيله.
وإذا قلنا: إن القول قول الآمر، وحكمنا على الوكيل بأن يرد عليه ما سلم إليه من الدنانير، فهل يكون للوكيل أن يستردها ممن دفعها إليه أم لا؟ فيه عندنا قولان:
أحدهما: أنه لا يمكن من ذلك لإقراره أن الآمر ظلمه فيما أخذه منه، وأن الذي سلم إليه ما أمر به قد أخذ ما يستحق بؤجه جائز صحيح فلا يمكن المأمور من ظلمه لأجل أن الآمر ظلمه فيما أخذ منه.
وقيل: بل يمكن من ذلك لأنه لم يقصد هبة من دفع ذلك إليه، وإنما هو
كالمبلغ عن الآمر. فإذا كذبه في البلاغ كان من حقه أن يسترد ما دفعه إلى من أمره للآمر (1) بالدفع إليه.
وهكذا. مذهب الشافعية أنه بالخيار بين أن يرجع على دافع الدنانير، أو على قابضها. لأن المأمور قد يقدر عنده في تسليمها إلى من لم يأمره بالتسليم إليه، وكان له المطالبة بمقتضى هذا التقدير. وله أن يطالب القابض لأجل أنه يعترف أن هذا المال إنما صار إليه من جهة الآمر. لكن عندهم اختلاف في، إذا كانت الوكالة على قبض دنانير من ذمة رجل فأتى الموكل فأنكر هذه الوكالة فعندهم قولان: هل لرب الدين أن يطالب القابض بهذه الوكالة التي أنكرها الموكل أم لا؟
فأحد القولين عندهم: تمكينه من مطالبة هذا القابض لاعترافه أن الذي قبضه إنما قبضه لرب الدين ..
والقول الآخر: ليس له مطالبة، لأن حقه في ذمة الغريم، والذي قبضه هذا ليس هو عين حق رب الدين فتكون له المطالبة به.