وأما العيب الذي ينقص من الثمن مما له مقدار وبال، ولكنه لا يبطل الغرض المقصود من المبيع، فإن مذهب مالك رضي النه عنه أن المشتري بالخيار بين أن يرد المبيع وقيمة العيب الحادث عنده، أو يتمسك ويأخذ قيمة العيب الذي كان عند البائع.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن المشتري لا حق له في رد المبيع، وإنما حقه أخذ قيمة العيب الذي كان عند البائع.
وظاهر مذهب أبي ثور أن ذلك لا يمنع الرد كما قاله مالك وإن (1) رد ما نقص عنده، لكنه إن أمسك، لم يأخذ قيمة العيب خلافا لما حكيناه عن مالك رضي الله عنه.
وذكر الطحاوي أنه قد خالف بعض من تقدم ومن تأخر في حكم العيب الحادث، فقال عطاء: لا عهدة بعد الموت. وقال محمد بن شجاع: لا مطالبة للمشتري بالعيب القديم قال: وهو القياس, لأن العيب ليس بمثمون، ولو كان مثمونا لأخذ قيمة العيب مع قيام المبيع. فأشار إلى أن الحكم الرد بالعيب القديم. ولكن إذا رد المبيع على البائع، على حسب ما أخذه منه، فإذا لم يمكنه ذلك، لم يمكن من رده، وإذا لم يمكن من رده، بطل حقه في القيام به.
وهذه جملة المذاهب في هذا القسم.
وأما حكم العيب الذي يبطل الغرض المقصود فإنه يمنع من الرد، لكون الرد لعين المبيع يكون في معنى المستحيل. وإذا امتنع، كان من حقه أن يطلب ثمن الجزء الذي عاوض عليه ولم يدفعه البائع.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أما وجه العفو للمشتري عن غرامة
العيب اليسير الحادث عنده، فإن الأبهري أشار إلى أن هذا الحكم إنما يختص بعيب حدث عنده لا يؤثر نقصا بشرط أن يكون النقص يسيرا. وقال بعض المتأخرين: إنما كان الأمر هكذا لأن العيب من جهة البائع. فإن كان عالما به، فقد دلس وفعل ما لا يحل، وظلم والظالم أحق أن يحمل عليه. فإن لم يعلم، فإنه مفرط. إذ لم يكشف عن العيب قبل أن يبيع، والمفرط كالمتعمد في هذا المعنى، مع كون الغالب حدوث هذه العيوب اليسيرة، فيقدر البائع كالعاقد على أن يتجاوز عن المشتري فيها.
ومال بعض المتأخرين إلى أن لا يعفى للبائع عن العيب اليسير إذا اطلع عليه المشتري، ولا فرق بين البائع والمشتري في هذا.
وقد أشرنا نحن إلى ما قيل من الفرق بينهما من كون البائع مدلسا ومفرطا، فوجب أن يحمل عليه.
ومال بعض أشياخي إلى أنه لا يصفح للمشتري عن ذلك إذا لم يكن البائع مدلسا، لأنه يرى المدلس ظالما يحمل عليه بخلاف من لا يدلس.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: أما ما ذكرناه عن محمد بن شجاع فقد وجهناه.
وأما ما ذكرناه عن أبي ثور فإنه يحتج بحديث المصراة. وقد قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: "فمن ابتاعها فهو بخير النظرين إما أمسكها أو رد وصاعا من تمر" (1) الحديث المشهور. فقدر ما حلب المشتري كالنقص الحادث عنده، فرد عوضه وجعل له الإمساك من غير غرامة يطالب بها البائع.
والإنفصال عن هذا الذي قال أن الذي احتلبه المشتري ليس كالعيب الحادث عنده، وإنما هو لبن فيه حق البائع، وهو ما كان حين العقد، وفيه حق للمشتري، وهو ما كان بعد العقد، لا يتميز هذا من هذا، فجعل عليه السلام عوض اللبن الذي من حق البائع مع الشاة. فأفاته قبل الرد.
وأما سبب الخلاف بين مالك والشافعي فإنه يلتفت فيه إلى تغليب أحد الضررين. فالبائع يلحقه الضرر إذا رد عليه ما باعه وقد تغير، وعوض النقص ليس هو عين النقص، فكأن المردود ليس بعين ما باع. وكذلك المشتري يلحقه الضرر إذا أمسك المعيب وغرم (1) عوض النقص لأنه لم يدخل على ذلك. فإذا تقابل الضرران، رجح أحدهما على الآخر.
فرجح مالك جنبة المشتري بما قدمناه من كون البائع متعمدا للتدليس أو مفرطا في ترك الكشف عن العيب، فكان أولى بأن يحمل عليه فترد سلعته إليه.
ورأى الشافعي وأبو حنيفة أن البائع يريد استدامة العقد، والمشتري إذا أراد الرد فقد أراد فسخه، واستصحاب انعقاد البيع أولى من إحداث حكم آخر، وهو فسخه، ألا ترى أن العنين إذا ضرب له الأجل فقال: وطئت. وقالت المرأة: لم يطأ، فإن مالكا لا يصدقها, لما كانت تحاول فسخ العقد والزوج يحاول استدامته.