وقد ذكر في هذا الكتاب من المدونة جواز بيع الصبرة على أن فيها مائة قفيز، فإن لم يجد فيها العدد الذي سميا، اعتبر في النقص هل هو قليل فيلزمه الباقي من الجملة؟ أو كثير فلا يلزمه ذلك (1)، أجري مجرى الطعام إذا استحق بعضه؟ وظاهر هذا أنه لا يشترط في جواز هذا البيع أن يكون العدد الذي سمياه يتحقق أنه حاصل في الصبرة.
وبعض أصحاب الشافعي اشترط هذا في جواز البيع، فإن أمر المشتري البائع أن يكتال هذا العدد، وغاب عنه، وزعم أنه اكتاله، وضاع بعد كيله، فقد مضى في كتاب السلم ما قيل في تصديقه في ذلك إذا لم تقم بينة على أنه اكتال ذلك. ولو أقام البينة على صحة ما يقول وأنه اكتال العدد الذي سمي في أصل البيع، لسقط الضمان عنه، لكونه - وكيلا للمشتري على الكيل. لكنه لو وجد فيما اكتاله نقصا كثير أبي ن العدد الذي سمى، مثل أن يجد في الصبرة عشرة أو (2)
ثلاثين قفيزا حتى يكون للمشتري الرد لفقد أكثر مما (1) اشتراه، وقامت على ذلك بينة، فإنه لا يسقط عنه الضمان في المقدار الذي اكتاله. بخلاف لو اكتاله المشتري وقبضه فتلف بعد قبضه، أو غصب (ذلك منه، وثيقة الصبرة) (2)، فإنه ها هنا يضمن المشتري ما اكتاله. وإنما فرق بين الأمرين وإن كان البائع وكيلا للمشتري على ما اكتال ويد الوكيل كيد الموكل، لأجل أنه حمل البائع على أنه لا يكاد يخفى عنه ما في صبرته. وإذا كان ذلك لا يخفى عنه، فهو متعد في قيل ما اكتال، مع علمه أن الصفقة لا تلزم المشتري، فصار بتعديه فيما وكل عليه ليس بوكيل للمشتري. بخلاف أن يكتاله المشتري بنفسه، فإن ذلك يسقط الضمان عن البائع، لكون المشتري قبض ما قبض بحكم كيله لما استحقه، والبائع اكتال ما اكتال بحكم وكالة تعدى فيها ما أذن له فيها الموكل. لكن لو ظهر أن البائع غير متعد، مثل أن يكون ورث هذه الصبرة وهي على مكان مرتفع يظن أن فيها ما عقد البيع عليه من العدد فاكتال ما هو الأقل من العدد، فإن ما اكتاله سقط ضمانه، لكونه اكتال ذلك لوكالة المشتري من غير تعد فيما وكل عليه. إلى هذه الطريقة في الفرق أشار بعض الأشياخ.