تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يشترط التعيين في المرضعة والرضيع، بأن يرضع في هذه الأمة بعينها ولدها هذا بعينه. أو يكون معينا هذا الأمر في أحد الشخصين، ومضمونا في الآخر. فإن عين هذا الشرط في الأم وفي الولد إذا مات، على أن الحكم في الظئر المستأجرة أن تنفسخ الإجارة بموت الولد، ولا يلزم الخلف، ولا يشترط، لكنه ها هنا لما رأى أن تعليق هذا الأمر بعتق هذا الولد يقتضي غررا في ثمن هذا المبيع، والغرر في الثمن يفسد البيع. وتصوير هذا الغرر أن الولد قد صار رضاعه جزءا من ثمن هذه الأمة، وهذا الجزء لا يحصل (1) مقداره لجواز أن يموت الولد في أول زمن الرضاع، فيقل الثمن، أو في آخره فيكثر الثمن.

فاعتبار إصلاح فساد هذا البيع ودفع الغرر عنه أولى من اعتبار إجراء هذا ها هنا على أحكام الظئر من كون الإجارة تنفسخ بموت الولد، مع كون الأصل أن المستأجر عليه لا يتعين، وإنما عين في الظئر وما في معناها لعلل نذكرها في كتاب الجعل والإجارات إن شاء الله تعالى. وهذا الذي نبهنا عليه يعرف منه وجه الحكم في اشتراط تعين أحدهما.

فأما اشتراط تعيين الأم فإنه الأصل في أحكام الإجارة, لأن المستأجر

يتعين، ولا يجوز اشتراط خلفه مع كون العقد على معين.

وأما تعيين الولد فقد ذكرنا أن الأصل فيه أنه لا يتعين وإنما عين في الظئر لما سنذكره من العلل في موضعه، وأن تعيينه في بيع هذه الأمة يتضمن غررا في ثمنها، والغرر في الثمن ممنوع.

وهذا الذي ذكرناه وصورناه من الغرر إنما يتصور إذا وقع الشرط على تعيين الولد، وعلى أنه إن مات لم يخلف ولد آخر مكانه، ولا تجب المحاسبة ومرجع ما سقط من الرضاع في الثمن. وأما إذا بني الأمر على أنه إن مات الولد، وجبت المحاسبة بمقدار ما سقط من الرضاع، فإنه لا يمنع ذلك لارتفاع ما صورناه من الغرر. وقد اتفق أهل المذهب على جواز استئجار ظئر للرضاع

بشرط النقد، وإن كان يمكن موتها قبل إكمال الرضاع، فيجب رد بعض ما انتقدت، وإذا وجب صار ذلك تارة بيعا وتارة سلفا. لكن لما كان الموت أمرا ليس هو الغالب، بل هو كالنادر لم يتصور فيه هذا الوجه الممنوع من تخوف ما انتقد. فكذلك لا يتصور الغرر ها هنا في مسئلة بيع الأمة المرضعة، التي ذكرناها, لأجل إمكان موت الطفل. وإنما يتصور إذا لم تجب المحاسبة بما بقي من الرضاع ولا وجب الخلف. وقد عارض سحنون ما وقع في المدونة من اشتراطه في صحة هذا البيع اشتراط خلف الولد إن مات. وقال: هو لا يجيز اشتراط الخلف في استئجار الظئر إذا مات الولد، فكيف أجازه ها هنا؟ وأشار إلى أنه أخرج هذا عما أصل في الظئر لأجل الضرورة المختصة بهذه المسئلة.

وقد أشار بعض الأشياخ إلى طريقة أخرى في الفرق. وذلك أن الغرر تبعا لم يكن مقصودا، فعفي عنه.

وإذا كان منفردا، صار مقصودا فلم يسامح به. ألا ترى أن من اشترى لبن شاة شهرا جزافا، فإنه لا يجوز ذلك لما فيه من الغرر بقلة اللبن وكثرته. ولو اكترى ناقة ليحمل عليها شهرا واشترط لبنها، جاز ذلك لما كان اللبن تبعا لما اشترى الحمل عليها. وكذلك من اكترى دارا، وبها شجرة لم تزه ثمرتها، والثمرة دون الثلث، فإن ذلك جائز. بخلاف اشتراء ثمرة هذه الشجرة، انفرادها غير تابع للكراء، وكذلك شراء نخل فيها ثمرة لم تزه، لم يمنع منه. ولو أفرد الثمرة بالشراء بشرط التبقية لمنع منه وكذلك بيع جبة، وقطنها مغيب، لا يمنع منه. وبيع قطنها خاصة، وهو مغيب، لا يجوز.

فكذلك ما ذكرنا في مسئلة هذه الأمة رضاع الولد تبع للعقد عليها، فلم يمنع منه بخلاف العقد على لبن ظئر يرضع ولدا.

وأشار الشيخ أبو إسحاق إلى حمل المسئلة على أن المراد بها أن الرضاع غير مختص بعين الأمة ولا بعين الولد، بل هما مضمونان جميعا، فلهذا أجاز ذلك. كما يجوز في الظئر كون اللبن مضمونا والرضيع غير معين. واعتل لمنع

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢١٧