من منفعة مقصودة منها. لكنه يمنع من بيعها لأجل حق الله سبحانه في منع بيع أمهات الأولاد، ولكون أن يكون المشتري الذي وطئها قد علقت منه، فيصير من حقه منع البائع من بيعها ووطئها لأجل حقه في الولد أيضا. لكن إذا لم يثبت وطء المشتري ببينة ولا إقرار منه، ولكنه غاب عليها، فإن البائع إن صدقه في ذلك، كان ذلك فوتا لاتفاقهما على أنه لا يسوغ ردها إلى البائع. وإن أكذبه البائع في ذلك لم يتحقق الفوت، ولكن ينظر في حكم الإيقاف لحق الله تعالى في ذلك. ويفترق فيه حكم الجارية المرتفعة من الوخش، على حسب ما سيأتي بيانه في كتاب الاستبراء إن شاء الله تعالى. وكذلك نبين أيضا سبب الاختلاف في الوطء، هل يمنع من الرد بالعيب وكون الغيبة بمجردها لا تمنع من الرد بالعيب إذا صدق البائع المشتري في أنه لم يطأ، بخلاف الغيبة على أمة أخذت على وجه الغصب، فإن الغيبة عليها عيب فيها، والغاصب يضمن بالعيب اليسير، فهذا كله يرد في مواضعه مستقصى أحكامه، وحكم الغيبة على أمة أراد الأب أن يعتصرها أو محللة غاب عليها من حللت له.
والجواب عن السؤال الخامس (1) أن يقال: قد تقرر، فيما تقدم، المبيعات بيعا فاسدا والأنواع المفيتة لها. فإذا تحقق الوجه المفيت للبيع، وحكم بموجبه، وقضى القاضي برد العين أو القيمة أو المثل، لم يرتفع حكم ما قضاه بارتفاع الأسباب الموجبة للفوت. وإن حصل السبب الموجب للفوت فلم ينظر فيه حتى ارتفع، فهل يرتفع حكم الفوت بارتفاع سببه أم لا؟ هذا فيه اختلاف في المذهب كثير فروعه.
فذكر في المدونة فيمن باع سلعة بيعا فاسدا، فحالت سوقها وهي بيد المشتري، ثم عادت السوق إلى ما كانت عليه حين عقد البيع، فإن الفوت قد حصل في القيمة قد لزمت (2) وارتفع السبب الموجب لها وهو تغير السوق. وأما إن كان السبب المفيت لها بيع مشتريها لها بيعا صحيحا ثم عادت إليه بميراث أو
هبة أو اشتراء أوردت عليه بعيب، فإنه ذكر في المدونة اختلافا في هذا، وأن ابن القاسم يرى أن حكم الفوت قد ارتفع لما ارتفع حكم البيع الذي وقع من المشتري. وأن أشهب يرى أن حكم الفوت لم يرتفع لما لم يرتفع، عنده وعند ابن القاسم، حكم الفوت بارتفاع تغير السوق وكون القيمة لزمت، فلا يرتفع ما لزمه بارتفاع سببه. وقد أكثر المتأخرون الاعتذار عن ابن القاسم في تفرقته بين هذين السببين المفيتين.
فرأى أن المفيت إذا كان تغير السوق ثم ارتفع، فإن حكم الفوت لا يرتفع. وإن كان السبب المفيت عقد بيع صحيح، ثم ارتفع، فإن حكم الفوت يرتفع. فأشار الشيخ أبو الحسن ابن القابسي، رحمه الله، إلى أن السوق إذا تغيرت ثم عادت، فإن السوق الثانية ليست هي السوق الأولى بعينها وإنما هي مثلها، والسلعة التي اشتريت شراء فاسدا، فإنا نقطع قطعا أن المبيع بعينه عاد على ما هو عليه؛ فلم يؤثر سبب الفوت لما ارتفع ارتفاعا مقطوعا به. وكأنه، رحمه الله، يشير إلى أن عدم اليقين والقطع على كون السوق التي تغيرت ارتفع (1) تغيرها يمنع من ارتفاع حكم الفوت، والقطع على أن السلعة المبيعة بعينها، عادت، تقتضي ارتفاع سبب الفوت. وهذا الذي قاله لا يشفي الغليل.
وذلك أن البيع هو المفيت لهذا الذي اشتري شراء فاسدا، ونحن نقطع قطعا أنه قد وقع، فلا معنى للتعرض إلى كون السلعة بعينها عادت لأن نفس السلعة وعينها ليس هو السبب المفيت، وإنما المفيت بيعها، فلا فرق بين سوق تغيرت ثم عادت، أو سلعة بيعت ثم عادت، بل ربما قيل: إن التغير المفيت قد لا يقطع به ووقوع البيع مما يقطع به في الظاهر المحسوس.
وسلك الشيخ أبو عمران، رحمه الله، قريبا من مسلكه فقال: السلعة التي بيعت بيعا صحيحا وقد اشتريت شراء فاسدا، يجب نقض البيع الفاسد الذي وقع فيها, ولكن يد المشتري شراء صحيحا صارت حاجزة بيننا وبين رد هذا