تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا إذا اشترى المكيل والموزون على الكيل والوزن. وأما إن بيع جزافا، فإنه لا يصح أن يقضي بمثله لكون مقداره مجهولا، ولا يلحق حكمه بالمكيل والموزون في الفوت، بل يلحق بأحكام فوت العروض لما كان الواجب فيه عند انعدام عينه القيمة كما يجب في العروض. لكن وقع اختلاف بين المدونة والموازية في السيف المحلى إذا بيع بيعا فاسدا، هل يمنع من رد عين الحلية حوالة السوق فيه أو لا؟ وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصرف. وقد كان بعض أشياخي يذهب إلى أن هذا المكيل المبيع جزافا إذا أراد بائعه أن يقضى له بأقل ما يقدر فيه من المكيلة، أن ذلك له، ويصير حينئذ كالمبيع على الوزن أو الكيل، وكذلك إذا أراد المشتري أن يغرم ما يتحقق أن الذي يغرمه أكثر مما أتلف. وذهب إلى أن المذهب على قولين فيما بيع جزافا، ثم علم كيله بعد ذلك، هل يعود الحكم إلى ما علم من حاله بعد عقد البيع فيقضي فيه بالمثل، أو يبقى على حكمه حين عقد البيع على كون المبيع غير متيقن مقداره. وقد أشار الشيخ أبو محمد بن أبي زيد إلى إمكان ارتفاع الخلاف في هذا لما نقل المذهب فيمن باع ثمرة قبل الزهو فجذها المشتري رطبا، أن البيع يفسخ ويرد المكيلة تمرا إن كان جدها بعد أن صارت تمرا. وسنذكر ما أشار إليه إذا تكلمنا على المسئلة بعد هذا. وأما إذا تقرر (1) أحكام نوعين من المفيتات وهما تغير السوق أو الذات في جميع أجناس المبيعات.

فلنذكر الفوت بالقسم الثالث وهو خروج المبيع من الملك. فإذا بيع أحد أجناس المبيعات بيعا فاسدا ثم باعه مشتريه بعد قبضه بيعا صحيحا، فإنه لا يخلو: أن يكون فساد البيع واضحا متفقا على فساده لا إشك الذي الدليل الذي منع منه. فإن المذهب على قولين في كون البيع الصحيح الذي عقده المشتري

مفيتا للبيع الفاسد. وقد قدمنا ذكرهما وأشرنا إلى أن سحنونا يرى هذا العقد الفاسد لا ينقل الملك ولا شبهة الملك، وأن القبض فيه يلحق بقبض الرهان.

والرهن إذا باعه من هو في يديه لم ينفذ بيعه فيه. وذكرنا أنه المشهور من المذهب، وأن عقدة الصحيح مفيتة لشرائه إياه شراء فاسدا، لتعلق حق المشتري به، وكون البائع سلم المبيع إليه، وهو قد أذن له في التصرف فيه، ومن التصرف فيه بيعه إياه، فلو قررنا أن الملك لم ينتقل ولا شبهة الملك، لكنا ننفذ هذا العقد الثاني لكون البائع أذن فيه وسلط المشتري على عقده.

وأما إن كان العقد الفاسد مختلفا فيه اختلاف طرق الاجتهاد، فإنه يمضي بيعه فيه، ويكون ذلك فوتا للبيع الفاسد إذا كان المشتري لم يبعه بيعا صحيحا إلا بعد أن قبضه وصار في يديه. فأما إن باعه قبل قبضه وهو في يد بائعه لم يمكنه منه، فإن الظاهر كون المذهب على قولين في انعقاد بيعه فيه. وقد تنازع الأشياخ ما مقتضى المدونة من هذين القولين، فقال بعضهم: مقتضاها كون هذا البيع الصحيح لا يفيت البيع الفاسد، لقوله في كتاب العيوب من المدونة فيمن اشترى سلعة شراء فاسدا ثم باعها بيعا صحيحا: إن عليه قيمتها يوم قبضها وينفذ (1) بيعه الصحيح فيها إن كان قبضها. فرأى هؤلاء أنه لما اشترط في نفوذ بيعه كون بيعه واقعا بعد أن قبضها، كان دليل هذا الخطاب يقتضي أنه لا ينفذ بيعه فيها إذا باعها قبل قبضها. ورأى من خالفهم في هذا التأويل أنه يمكن أن يكون أراد بهذا الاشتراط صرفه إلى ما قدمه من قوله: عليه قيمتها يوم قبضها.

وقصد أن يبين أن قوله: عليه قيمتها يوم قبضها، أن ذلك إنما يتصور إن كان قبضها، وتعلق هؤلاء أيضا بقوله: ولو تصدق بها قبل قبضها, للزمه قيمتها يوم تصدق بها. فإذا نفذت الصدقة قبل القبض، فأحرى أن ينفذ البيع قبل القبض لكونه آكد من الصدقة. وهذه المبالغة التي أشاروا إليها قد لا يسلمها لهم الآخرون، ويقولون: لا يكون البيع أحرى من الصدقة لأن البيع إذا نقض رجع المشتري بالثمن، فلم يلحقه ضرر بالفسخ. والصدقة إذا نقضت بعد أن قبضها

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٩٣