تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن كانا سلمين واختلفت رؤوس أموالهما بالجنسية أو بالقلة والكثرة، منعت المقاصة على الإطلاق. وإن تساوى رأس المال فيهما في الجنس والمقدار، فهاهنا قولان: منع ذلك في المدونة، وأجازه أشهب.

وينبغي أن نقدم لك ها هنا مقدمة منها تعلم سبب الاختلاف في هذا الباب وسبب الوفاق. فاعلم أن هذه المقاصة وإن كان ظاهرها الجواز، فربما أوقعت في محرم. والجائز إذا أوقع في محرم منع. والمحرم ها هنا بيع الطعام قبل قبضه، وبيع الطعام بالطعام نسيئة، والدين بالدين. فإذا كان لهذا على هذا طعام

من سلم وللآخر عليه مثله، فتتاركا على المباراة، فإن كل واحد منها لم يخرج

من ذمته ومن تحت ذمته ما يقتضيه، ولكنه باع ماله بما عليه لمن اشترى ذلك منه، صورة ممنوعة وهي بيع الطعام قبل قبضه. وأيضا إنه إذا لم يقع التناجز في ذلك، دخله النساء في بيع الطعام، والدين بالدين. لكن إنما تتحقق هاتان العلتان بعد تحقق البيع، والبيع ممنوع. ويصح أن يجتزأ به في المنع من المقاصة. لكن علم أن الإقالة رخصة مستثناة من بيع الطعام قبل قبضه. ولكن من شرط جوازه أن يكون برأس المال جنسا ومقدارا. وإذا اختلف الثمن في الإقالة، خرجت عن قصد المعروف الذي هو سبب جوازها والترخيص فيها إلى حد المبايعة والمكايسة، فبقيت في المنع على الأصل. والذمم قد تختلف في الغني والفقير، فتقع المكايسة في المقاصة لأجلا اعتقاد كل واحد من هذين المتعاملين في ذمة صاحبه. ولو كان لرجل على رجل طعام مؤجل، لجاز تعجيله، ولم يحمل ذلك على المكايسة لما كانت ذمة واحدة فيها هذا الدين المؤجل، ثم صار معجلا. بخلاف ذمتين يختلف حالهما في حين المقاصة. فإذا تساوت رؤوس المالين في المسلمين، جازت المتاركة على معنى الإقالة. فإذا كان هذان قادرين على المتاركة بالتقايل ولا يتهمان على العدول إلى ما لا يجوز، مع كونهما لهما سبيل إلى اجتنابه لفعل ما يجوز. ورأى ابن القاسم أن هذا لما لم يقصد به الإقالة تصور فيه حقيقة المبايعة مع اختلاف الذمتين اللتين وقع التبايع بما فيهما، فمنع ولم يجر مجرى الإقالة.

وإن تساوى السبب أيضا ولكنهما طعامان متماثلان قرضا (1)، فإن المقاصة جائزة على الإطلاق، تساوى الأجل أو اختلف حل الأجل أو لم يحل، وهذا لأجل بيع الطعام القرض قبل قبضه جائز. فارتفعت هذه العلة التي تصورت في السلم، فمنعت منه، فجاز ذلك في القرض. وأيضا فإن طريقه المعروف والرفق، وما كان هذا شأنه لا يتطرق إليه من التهم ما يتطرق إلى ما

طريقه المكايسة. لكن قد ذكر اختلاف في جواز المقاصة بين ذهبين متساويين في الجنس والسكة. وأجاز ذلك في المدونة على الإطلاق، ومنعه ابن نافع إلا بشرط أن يحل أجل الذهبين، وروي أيضا عن مالك منعه إذا اختلف الأجل، وتوقف فيه إذا تساوى الأجل على ما سنذكره بعد هذا. فبعض الأشياخ يجري هذا الخلاف الذي ذكرناه في جواز المقاصة بين ذهبين وفي جواز المقاصة بين طعامين قرضين لكون الذهب يجوز بيعه قبل قبضه، والطعام يجوز بيعه قبل قبضه إذا كان قرضا، ولا يحل النساء في بيع الذهب بالذهب والطعام بالطعام.

ورأى إجراء الخلاف المذكور في الطعامين بأن يكون أحدهما من قرض والآخر من سلم. فمذهب ابن القاسم المنع إلا بشرط أن يحل أجل الطعامين جميعا.

واختلف قول أشهب، فروي عنه الجواز إذا حلا جميعا أو حل أحدهما. وروي عنه التقييد في ذلك بأن يكون الذي حل منهما هو السلم. وأجاز ابن حبيب المقاصة إذا اتفق الأجلان وإن لم يحلا جميعا. وقد قدمنا لك من التنبيه على علل المنع والجواز في هذا الباب ما يجري في هذا الخلاف. وذلك أنا ذكرنا أن الطعامين إذا كانا سلمين، منعت المقاصة من أجل أن كل واحد منهما بني الأمر فيه على المكايسة وقصد المبايعة. وإن كانا قرضين جازت المقاصة لكون كل واحد منهم ابن ي على المعروف، فإذا افترق حالهما في هذا، فكان أحدهما، وهو السلم، بني على المكايسة، والطرف الآخر، وهو القرض، بني على المعروف. فغلب ابن القاسم حكم المعروف على حكم المكايسة بشرط أن يحلا, لأنهما إذا حلا، ارتفعت الأغراض، وإذا كانا لم يحلا أو حل أحدهما، تصورت الأغراض لأجل اختلاف الذمم، فوجب المنع. ورأى ابن حبيب تغليب حكم المعروف، فأجاز ذلك وإن لم يحل إذا الآجال (1) لتقارب الأغراض مع تساوي الآجال. ورأى أشهب أن بحلول أحدهما يمنع من تصور تباعد الأغراض, لأن ما حل قد أمن على الذمة فيه، وما لم يحل، فإنه وإن لم يؤمن على الذمة فيه، فإنه لا يقابل هذا التخوف على الذمة التخوف على ذمة

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٧٥