تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينبغي أن يتحرى الوزن. ولكن تحريه لا يمكن إلا بأن يتحرى وزن الدقيق الذي خبز منه خبز الفرن، والدقيق الذي خبز منه خبز التنور، لكون الوزن إن اعتبر تساويه في موازنة الخبزين، لكان ذلك لا يوثق به، لكون أحد الخبزين يكون فيه من الماء أكثر من الآخر، فيوقع هذا في التفاضل، فدعت الضرورة إلى اعتبار وزن الدقيقين وإن كان الدقيق مما يكال، فجعل ها هنا مما يوزن اتباعا لحكم الخبزين المطلوب التساوي بينهما. فبهذا يعلم التماثل بين الخبزين ويؤمن مما يوقع فيه اختلاف ما عجنا به من اختلاف مقدارهما. وقد كتب ابن اللباد بخطه على هذه المسئلة أن سحنونا قال: كل ما يوزن فلا بأس بالتحري فيه. وهذا يمكن أن يكون أشار إلى الالتفات إلى هذه الطريقة أو إلى القدح في جواز التحري في هذا وربما كان هذا أظهر.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: كنا قدمنا في كتاب السلم الثاني الكلام على جواز التصديق فيما يشترى من الطعام. ونحن نشير إلى ذلك ها هنا على الجملة. فالطعام المقترض لا يجوز اقتراضه على تصديق دافعه في كيله. واختلف في تعليل ذلك، فقيل: لأنه يقع فيه المخاطرة، فيأخذ قفيزا من قمح على أنه يرد قفيزا، مع تجويزه أن يكون دافع الطعام القرض كذب في كيله، فقد ضمن رد مكيلته معلومة وهو لا يعلم: هل حصلت له أو أكثر منها أو أقل؛ وهذا نوع من الغدر والمخاطرة، وذلك يقتضي المنع. وقيل: إنما ذلك لأنه قد يجد قابض الطعام نقصا، فلا يطلبه رجاء أن يكون دافع الطعام يؤخر به ويحسن في اقتضائه، فيكون ذلك كهدية المديان. وسنذكر وجه منعها، وكذلك علة النهي في المنع من شراء الطعام بثمن إلى أجل على تصديق بائع الطعام في كيله. وأشار ابن حبيب وابن عبدوس إلى أن علة المنع المخاطرة بالتزام ثمن عوضا عن مكيلة لا يتحقق مبلغها، فكأنه قبضها والتزم الثمن مخاطرا في العوض عنه.

وكذلك أيضا يجري فيه التعليل الآخر لهدية المديان لأنه إنما يشتري بالنسيئة عند شدة حاجته وضرورته، فتمنعه هذه الحاجة والضرورة من القيام مخافة أن يسيء البائع اقتضاءه في الثمن. وقد قدح (1) بعض المتأخرين في تعليل من علل منع التصديق في القرض على أن قابضه مصدق في كيله مع تجويز أن يجد نقصا، فيتجاوز عنه رجاء التأخير. وهذا عندي قد ينفصل عنه بأن التصديق إذا أسلم (2) البائع بخوف المشتري أو المقترض خصام الدافع وتكذيبه لئلا يوحشه فيسيء اقتضاءه، وهذا هو الغالب في العادة أن تكذيب الدافع المتفضل بالقرض أو الذي هو كالمتفضل ببيع النسيئة مما يؤدي إلى الشنئان. وإذا كان مالك الطعام سلمه على تصديق المقترض أو المشتري، فإنه لم تدعه ضرورة إلى هذا التصديق فيلتزمه لأجل الضرورة، ولولا أنه يشق لمن سلم ذلك إليه ورضي بما يقول لما دخل معه على تصديقه. ألا ترى أن مالكا أباح شراء الطعام على التصديق إذا بيع بالنقد لكون قابضه لا يتخوف غالبا من جهة البائع. ومنع منه إذا كان يشتري بالنسيئة لما يتخوف مشتريه من بائعه إذا أساء إليه. وقد قال بعض الأشياخ: إن القرض إذا وقع على تصديق قابضه، لم يفسخ. وقال أبو بكر بن عبد الرحمان فيمن اشترى طعاما بثمن مؤجل على تصديق قابضه: إن ذلك يفسخ. قال: وقد كره التصديق فيه، وإن بيع بالنقد، فكيف بالنسيئة؟ ولما سئل مالك عن علة منع التصديق في بيع الطعام نسيئة، فقال: يدخل ذلك أمور شتى ولم يفسرها. وقد ذكرنا نحن ما قيل فيها، كما كنا قدمنا في كتاب السلم التعليل بأن الله سبحانه ندب إلى رفع التشاجر والخلاف، ولهذا أمر بالإشهاد في التبايع، وبسطنا القول فيه هناك.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٧٣