وأنت إذا اتبعت ما أصلناه أولا مع اعتبار ما خرج من يده وما يعود إليها، وقابلت أحدهما بالآخر، علمت فروع هذا الفصل كلها لكن وقع اضطراب في قسم واحد يتعلق بهذا الفصل، وهو أن يشتري القمح الثاني بمثل الثمن الأول، ولكن القمح الثاني أقل في المكيلة، فإن هذا وقع فيه الاضطراب بين المتأخرين فيما يضاف إلى المذهب في هذه المسئلة. فأشار بعضهم إلى أن ظاهر كتاب بيوع الآجال من المدونة يقتضي المنع منه. وذلك أنه ذكر في المدونة في هذا السؤال أنه لا بأس أن يشتري بمثل الثمن فأكثر إذا كان مثل المكيلة التي باع أولا. وتقييد هذا الجواب يقتضي دليل الخطاب أنه إذا باع بمثل الثمن ما هو أقل من المكيلة، فإنه لا يجوز لاشتراطه أن يكون القمح الثاني مثل المكيلة، ودافع عن هذا كثير من الأشياخ ورأوا أنه لم يرد بهذا التقييد إثبات دليل لهذا الخطاب.
فقيل لهم: إن دافعتم عن هذا كون هذا الخطاب لم يرد به أن المسكوت عنه بخلاف المنطوق به، فإن في المدونة في كتاب السلم منع من باع طعاما أن يقتضي من ثمنه مكيلة هي أقل من المكيلة التي باع أولا، مثل أن يبيع مائة قفيز قمحا بمائة دينار إلى شهر، فإذا حل الأجل أخذ عوض الثمن خمسين قفيزا ثمنا للمائة قفيز المبيعة أولا. وبيع القمح بالقمح متفاضلا نسيئة لا يجوز. وقد تصور هذا في هذه المسئلة، فانفصلوا عن هذا بأن من اقتضى من ثمن طعام باعه طعاما، فإنه يجري مجرى الإقالة. وقد أخلى الذمة من الثمن بهذه المعاملة الثانية وسقط بها الثمن الأول. فلما سقط من الذمة وجرى ذلك مجرى الإقالة التي هي حل العقد، صار ثمن المائة قفيز المبيعة أولا خمسين قفيزأوهي التي أخذت أخيرا.
والمسئلة التي نحن في بيانها لم تحل البيعة
الأولى، وشراء البائع الأول خمسين قفيزا من الذي اشترى منه القمح الأول لا يسقط الثمن الأول عن ذمته، ولا يحل العقد الأول بل تبقى ذمة المشتري عامرة متبوعة بالمائة دينار التي تعاقدا عليها أولا. ولا يصح كون الخمسين قفيزا ثمنا للمائة قفيز ها هنا مع كون ثمن المائة قفيز باقية في الذمة لم يسقط عنها، فيكون لها ثمنان: المائة دينار والخمسون قفيزا، والذي اقتضى الخمسين قفيزا من ثمن الطعام الأول قد أسقط الثمن الأول، فصح تقدير كون هذه الخمسين قفيزا ثمنا للمائة قفيز التي بيعت أولا.
فإذا وضح حكم بيع الإنسان طعاما ثم يشتري ممن اشتراه منه طعاما يمكن أن يكون هذا الطعام بعينه، فلنتكلم على ما يعلم أنه ليس هو عين المبيع الأول، مثل أن يبيع منه ثيابا ويشتري منه أمثالها، فإن في هذا قولين أجازه في المدونة ومنعه سحنون وابن المواز. وكأن هذه المسئلة واسطة بين طرفين أحدهما أن يشتري جنسا آخر غير المبيع الأول مما تباعد فيه الأغراض، فإن هذا واضح كون البيعة الثانية لا تعلق لها بالبيعة الأولى، لاتضاح اختلاف الأغراض وتباين المقاصد، فتحمل البيعة الثانية على أن سببها اختلاف الغرض ما بين البيعة الأولى والثانية لا على التحيل على ما لا يحل من أمثال ما قدمناه، فلا يمنع.
وإذا كان المبيع ثانيا هو بعينه المبيع الأول، أو شك هل هو الأول أو غيره؟ منع ذلك رجاء عذر ارتجاع نفس المبيع مع تقارب الأغراض، فحسنت ها هنا حماية الذريعة، وكون السبب في المعاملة الثانية التحيل على ما لا يجوز. فهذان طريقان واضحان على أصل المذهب. فإذا باع ثيابا ثم اشترى مثلها، فإنه يعلم أن البيع الثاني ليس هو الأول فيجري مجرى شراء جنس آخر، فيجوز. ومن حيث كون المنافع والأغراض متقاربة يحسن أن يجري هذا الثاني مجرى ارتجاع الأول بعينه. فلأجل هذا وقع الخلاف في هذا. وقد علل في المدونة بأن الثياب من استهلكها يغرم قيمتها. ومن استهلك الطعام غرم مثله، ليشير إلى ما قدمناه من أن غرامة القيمة تشعر يكون الشيء بعينه كأنه جنس آخر،