تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يستخرج كالمقصود، فيقتضي هذا البيع بيع الرطب باليابس، لأن الزبد كالرطب والسمن كاليابس.

وقد اختلف في بيع الحليب المضروب بالجبن، فمن أجازه رأى أنه مما لا يدخر، ولا مما يصنع منه ما يدخر، فلم يلحق بما فيه الربا. ومن كرهه رأى أنه قد يصنع منه الأقط، وبيع الأقط بالجبن لا يجوز، فكذلك بيع الحليب المضروب بالجبن، لكونه يتأتى منه أقط، والأقط لا يجوز التفاضل بينه وبين الجبن، وأما الجبن بالأقط والسمن فإن هذه مدخرات، والتماثل في بيعها واجب، وهو لا يتأتى معرفته فيها فلا يباع بعضها ببعض.

وأما البيض فقد قدمنا أنه فيه الربا، في المذهب المشهور عندنا. وإذا أثبتنا فيه الربا، فكله صنف واحد. فبيض الدجاج والإوز وغيرهما نوع واحد، لا يحل بعضه ببعض متفاضلا، وإنما يجوز بشرط التحري في المساواة، وأن يكون قدرا واحدا.

وإذا اقتضى هذا التحري مساواة بيضة واحدة ببيضتين قال ابن المواز: وذلك بعد أن يستثني صاحب بيض النعام قشره لأنه له ثمن، فإذا اشتمل عليه عقد صار كبيع عرض وطعام بطعام. وهذا الذي اشترطه ابن المواز لم يشترطه غيره، فيمكن أن يكون إنما أطلق الجواب لأنه لا يرى له ثمنا مقصودا، أو يراه من مصلحة هذا النوع، فأشبه النوى في التمر. وقد قدمنا الكلام عليه. وقد قال بعض الشافعية: لا يباع العسل بالعسل حتى يصفيا من شمعهما، لئلا يتفاضل العسلان بعد تصفيتهما من شمعهما، ورأى أن الشمعين كعرضين بيعا معا بعسلين، ولم يرهما كالنوى في التمر، لأن العسل إنما يدخر مصفى غالبا، والتمر إنما يدخر بنواه. والله المستعان.

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله.

والجنس الآخر مما يحرم التفاضل في عينه هو الذهب والفضة، على اختلاف صفتيهما، من تبر ومضروب ومهمل ومصوغ، فلا يجوز التفاضل في

الجنس الواحد منه بجنسه.

وما غيرته الصنعة من المأكول صار كجنس آخر، فيجوز التفاضل بينه وبين ما بقي على صفته. وذلك كالحنطة والدقيق والعجين بخبزهما، واللحم النيىء بمطبوخه، والرطب والتمر والزبيب بخلها.

وأما التفاضل في المعنى فمثل صاع معقلي وصاع دقل بصاعين برني لأن المعقلى أعلى من البرني، والدقل أجود منه، والبرني وسط بينهما.

وكل ما حرم التفاضل فيه جاز البيع فيه مع التماثل.

والجهل بالتماثل في المنع كتحقق التفاضل (1).

قال الفقيه الإمام رحمه الله تعالى:

هذا الفصل تكلمنا عليه، وإنما أوردناه ها هنا لأجل أنه افتتحه بالكلام على الربا في الذهب والفضة، ورأينا تأخير الكلام على الربا في الذهب والفضة إلى أن نتكلم على كتاب الصرف، كما رأينا الكلام على ما يمنع فيه الربا مضافا إلى ما أضفناه إليه، ولا (2) لأنه مقتضى ما رتبناه نحن.

وقد تكلم ها هنا على الربا وجعله نوعين: تفاضل في العين وتفاضل في القيمة. والتفاضل في العين قد تكلمنا عليه. والتفاضل في القيمة رأينا تأخير الكلام عليه إلى كتاب الصرف، لأنه لما ذكر منه ها هنا هذه المسألة، وهي بيع صاع (3) بصعين من التمر من جنس واحد بصاعين مختلفين من التمر، وقد وجدنا في المدونة الكلام على مسألة بيع مد قمح ومد دقيق بمد قمح ومد دقيق في كتاب السلم. رأينا أن نتكلم ها هنا (على ما في كتاب السلم من هذا المعنى خاصة في كتاب الصرف مبسوطا) (4) إن شاء الله تعالى.

فاعلم أن كل جنس فيه الربا فإنه لا يباع شيء منه بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما جنس آخر مثل أن يبيع صاع تمر بدينار وبصاعي تمر من جنسه. وكذلك لا يباع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح أو قفيزي دقيق، ولا قفيزا قمح بقفيز قمح وبقفيز دقيق. وكذلك لو كان بدل الدقيق شعيرا أو جنسا آخر من الأطعمة، أو عرضا من العروض. وقد منع في كتاب السلم الثالث من المدونة بيع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح وقفيز دقيق. وأجاز ذلك ابن المواز لأنه قال بجواز بيع قفيزي قمح وقفيز دقيق إذا كان قفيز القمح مثل القمح والدقيق أو أدنى منهما، أو مثل أحدهما أو أعلى من الآخر وأدنى، على حسب ما نجيزه في المراطلة ما بين ذهبين مختلفين بذهب واحد منفرد. فلما قيل لابن المواز: إن مالكا يمنع من بيع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح وقفيز دقيق، قال: إنما منعه للذريعة ولا بأس به عندي.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٣٠