وقد قال ابن القاسم في العتبية: إن النحل بالنبيذ صنف واحد لتقارب أمرهما؛ وأجرى النبيذ مع النحل مجرى الخلول، هذا مع أن النحل يطول أمره، ولهذا كان المشهور من المذهب جواز بيعه بالأصل الذي عمل منه، فيباع خل التمر بالتمر، ويباع خل العنب بالعنب، ولا يباع نبيذ العنب بالعنب ولا نبيذ التمر بالتمر. وقد قال بعض الأشياخ منتصرا لما حكيناه عن أبي الفرج في كون الأنبذة أصنافا بخلاف الخلول، وعنده إذا كان النبي لا يجوز بيعه بأصله لقرب عهده، فكان حكمه حكم أصله، فكما لا (5) يجوز التفاضل بين العنب والتمر فيجوز التفاضل بين نبيذيهما. وقد ذكر في ثمانية أبي زيد: لا يجوز بيع خل التمر بالتمر، ولا خل العنب بالعنب. وأجرى ذلك مجرى نبيذ التمر، ولم يجعل الطول في الأزمنة يخرج النحل عن حكم أصله في منع بيعه به، بل يمنع
ذلك للمزابنة. وهكذا ذكره في المدونة أن النبيذ والخل ليسا كزيت الزيتون وزيت الفجل، لأن هذه مختلفة ومنافعها شتى. وقال بعض الأشياخ يحتمل أن يريد هذا كون النبيذ والخل صنفا واحدا، كما قدمناه عن ابن القاسم. ويمكن أن يريد أن الأنبذة وإن اختلفت أصولها صنف واحد، وكذلك الخلول، وإن اختلفت أصولها فإنها صنف واحد، ولم يرد أن النبيذ والخل صنف واحد.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
لثمرة النخيل حالات: يكون طلعا، وبلحا صغيرا، وبلحا كبيرا، أو زهوا، أو بسرا، أو رطبا، أو تمرا.
فأما الطلع فإن الشيخ أبا إسحاق التونسي ذكر أن في المدونة ما يفهم منه أن الطلع ليس بطعام. وفي هذا [ما] (1) يفهم منه أنه طعام يمنع الربا فيه.
وأما البلح الصغير فإنه ليس بطعام، بل هو صنف لا ربا فيه. ولا يستبعد كون الطلع طعاما، ثم ينتقل إلى كونه بلحا صغيرا فلا يكون طعاما لاختلاف ما يركب الباري سبحانه من طعم ومنفعة.
وأما البلح الكبير فالمعروف من المذهب أن فيه الربا. ووقع في مختصر ابن شعبان في بيع البلح الكبير بالبسر أو الرطب: تركه أحب إلى (2) أن يجوز.
ومال بعض أشياخي إلى هذا، لكونه لا يدخر، فخرج بكونه غير مدخر عما فيه الربا. وخرج الخلاف فيه من الاختلاف في إثبات الربا في العنب الشتوي، والبر (3) الشتوي، فمن نفى الربا فيهما فلكونهما لا يدخران، ومن أثبت الربا فيهما ألحقهما بالغالب من جنسهما وهو. ما جد في الصيف فإنه يدخر وهو الغالب في هذه الثمرة.
وقد اختلف أيضا في بيع الزيتون الذي لا يخرج منه الزيت بزيت الزيتون،
فالمشهور المنع، وأجازه ابن نافع. وهذا أيضا بناء على ما قدمناه من (1) لغالبه، وغالب الزيتون كون الزيت يخرج منه، ولا يجوز بيع الزيت بأصله الذي استخرج منه لما قدمناه.
وكذا يجري الأمر في بيع التين الشتوي بالصيفي، هل يراعى حكم نفسه، لكونه غير مدخر، أو يجري عليه حكم غالبه فيمنع التفاضل بسببه؟ ومن الغالب منه. وأما الزيتون الذي لا زيت له فإنه يمنع فيه التفاضل كونه مدخرا، بخلاف التين الشتوي الذي لا يدخر.
وأما الرطب والبسر والتمر فإن التفاضل ممنوع في بيع شيء منها بنوعه.
فيمنع بيع البسر بالبسر متفاضلا. وكذلك الرطب بالرطب، والتمر بالتمر، وأما بيع الرطب بالتمر فقد اختلف الناس فيه. مذهب مالك والشافعي المنع منه وإنما (2) تماثلا في الكيل. ومذهب أبي حنيفة جواز البيع إذا تماثلا في الكيل.
وسبب هذا الاختلاف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا يبس" قالوا: نعم. قال: "فلا، إذن" (3) فنبه - صلى الله عليه وسلم - على أنه قدم إليهم منع الربا في التمر في الحال، فكذلك ينبغي أن يعتبر في المآل. وقد علموا أن الرطب بالتمر، إذا بيع أحدهما بالآخر مثلا بمثل، فإن الرطب إذا جف نقص عن مقدار التمر في الكيل، ونقصه في المكيل الحادث بعد النقد كأنه نقص موجود في حال العقد. والمخالف يقول: قد قال عليه السلام: التمر بالتمر كيلا بكيل. وثمرة النخل تسمى تمرا في اختلاف أحوالها، وإن خصت بعض الحالات باسم رطب أو بسر، كما أن الصبى والشاب والكهل والشيخ إنسان، وإن اختص بعض شيء من عمره باسم شاب وكهل. ويبين هذا أن الرطب بالتمر بينهما تفاضل في جنس العقد لا يجوز باتفاق إذا تحقق الفضل في