تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الزفيزف فإنه لا ربا فيه. واعتل ابن المواز لهذا بأنه إن كان جفف ويبس فإنه لا يفعل ذلك للعيش والأكل لكن للعلاج. وهذا تنبيه على صحة ما قدمناه من ذكر الثلاثة التي يدور عليها فرض هذا الباب، وهي اعتبار الغرض في مقتضى العادة في الطعام هل يدخر ذلك وارى (2) العلاج أو الاقتيات والأدم وإصلاح القوت على حسب ما تقدم بسط القول فيه.

والعين الذي هو الإجاص اختار بعض أشياخي كونه مما لا ربا فيه، لأنه إنما يجفف ويدخر للعلاج والتداوي لا اقتياتا ولا تفكها.

وأما الألبان واللحوم فإنها يمنع الربا فيها، وإن كانت للغالب أنها لا تدخر لأجل أنها إنما تقتات غالبا حال رطوبتها، وهو الغرض المقصود منها. وكذلك اللحمان، وإن كان الغالب أنها لا تدخر، فالغرض المقصود منها هو المستعمل في الاقتيات. وقد نبهنا على الاقتيات، وهو المعتمد عليه في التعليل على أنه قد تجفف اللحمان فتدخر. وكذلك الألبان يصنع منها غالبا ما يدخر كالجبن والأقط والسمن، فأعطيت حال رطوبتها حكم ما نص عليه بالصنعة من الادخار والاقتيات. لكن المخيض بالجبن وقع فيه قولان: هل يجوز ذلك لكون المخيض لا يكون منه جبن فلا يدخل في نوع بيع الرطب باليابس المنهي عنه، كما تقدم. أو يمكن أن يعمل من المخيض أقطا فيكره بيع المخيض بالجبن، لأجل أنه يتكون منه بالصنعة الأقط، والأقط والجبن منع فيهما الربا. وقد قال في المدونة: لا بأس ببيع المضروب بالسمن. وقال بعض الأشياخ: هذا يشير إلى أنه لا يحرم في المخيض والمضروب التفاضل، إذا بيع بمثله، لكون

المضروب لا يدخر ولا يصنع منه ما يدخر، بخلاف الحليب الذي يصنع منه ما يدخر كالجبن والسمن والأقط، وأجرى في جواز التفاضل في المخيض والمضروب اختلافا في إثبات الربا، لكونهما نوعا من جنس الغالب ادخاره، أو يجوز فيهما الربا لكونهما في أنفسهما لا يدخران، فكذلك يكون حكم المخيض.

وقد ذكر القاضي أبو محمد رحمه الله في الكتاب الذي هذا شرحه وهو التلقين، اختلافا في التين. وذكر ذلك مطلقا من غير تقييد شتوي ولا صيفي، ويبعد نفي الربا عن التين المدخر لكونه مما يقتات كالزبيب. وإذا اتفق المذهب على منع الربا من الزبيب لكونه مقيسا على الثمن (1) المنصوص عليه في الحديث. فالتين كالزبيب في هذا المعنى.

وأما الزيوت فإنها مما منع فيها الربا، لكونها تدخر ويؤتدم بها. لكنها تتنوع أنواعا، فما تحقق فيها ادخاره للائتدام ويكمل القوت، فإنه يتضح على أصلنا إثبات الربا فيه، وعلى أصل الشافعي الذي يراعي الطعم، وعلى أصل أبي حنيفة. لكن بعض أصحاب الشافعي قسمه على أربعة أنواع: أحدها: ما يدخر للائتدام كزيت الزيتون، وزيت الفجل وما أشبههما. والثاني: ما يدخر للتداوي كدهن الخروع، والخوخ، فإنه يثبت فيه الربا عندهم لكونه مطعوما، والمطعومات خلقت لحفظ الحياة، على ما تقدم، فما كان منها مطعوما لكنه لا يستعمل إلا تداويا، فإنه يثبت فيه الربا، لأن الدواء والصحة على البدن السقيم، كما أن الغذاء والقوت يحفظ الصحة على البدن الصحيح، فقد استويا في كونهما قوتين لكن أحدهما اختياري، والآخر ضروري. وهكذا الهليلج (2) والبليلج يثبت فيهما الربا لكونهما من جملة الطعام ويردان الصحة على البدن السقيم، فكانا كما يحفظهما على البدن الصحيح.

ومن الادهان قسم ثالث، وهو ما يستعمل طيبا كدهن الورد والبنفسج والزنبق فإن فيها لكونها تؤكل، وليس إمساكها لما هو أعلى، وهو التطيب، بالذي يخرجها عن كونها مطعومة.

ومنها قسم رابع وهو مما لا يؤتدم به، ولا يتداوى، ولا يكون طيبا، كزيت البذر فإنه لا ربا فيه. وهكذا اتفقوا الربا في الطين الأرميني لكونه مطعوما يتداوي به. ونفوه عن الطين الخراساني وشبهه لكونه لا يتداوى به، وإنما يكون لشهوة فاسدة كما يؤكل سفها وعيبا، وقد قال عليه السلام لعائشة رضي الله عنها: "لا تأكلي الطين فإنه يصفر اللون" (1). وعندنا نحن اختلاف في جواز أكل الطفل سنذكره في موضعه إن شاء الله.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١١٨