تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب السلم

اعلم أنا جرينا في هذا الاملاء على الخروج عن نظم كتاب التلقين لسؤال الأصحاب في ذلك. وقد ذكرنا ما يتضمن كتاب السلم الأول من المدونة.

وتلطفنا بأن نورد كلام القاضي أبي محمد عبد الوهاب ونشرحه ثم نضيف إليه ما يتعلق به. وربما أضفنا إلى هذا ما يتعلق بما تعلق به. وقد قدمنا في ذكره المنع من بيع الطعام بالطعام إلى أجل ما يتعلق به من الذرائع أو ما هو ذريعة للذرائع.

وذكرنا هناك الأخذ عما في الذمة من الطعام طعاما إذا كان السلم صحيحا.

ولعلنا أن نلحق هناك (1) الأخذ عن الطعام طعاما إذا كان السلم فاسدا. فأجزناه لما توخيناه من الجري على مسائل المدونة ما أمكن. فاعلم أن السلم إذا كان صحيحا وحل أجله وتراضى المتعاقدان أن يتعاوضا من الطعام الذي في الذمة بطعام آخر، وذكرنا الشروط التي تبيح ذلك فمنها أن لا يقعا في هذه المعاوضة في بيع الطعام قبل قبضه، وأن يكون المأخوذ عما في الذمة: يجوز أن يسلم فيه (2) رأس المال. فإذا كان السلم في طعام عقد عقدا فاسدا فأراد أن يأخذ عن ذلك الطعام طعاما، فإن الأصل في هذا أني لا يعتبر فيه تقدير بيع الطعام قبل قبضه كما اعتبر في السلم الصحيح؛ لأن من أسلم في حنطة سلما فاسدا يجب فسخه ثم تراضيا بأن يأخذ عن ذلك تمرا فإن التمر ها هنا ليس بعوض عن الحنطة فيتصور فيه بيع الطعام قبل قبضه، لكون الذمة خالية من الحنطة لفساد

العقد عليها، وإذا كانت خالية من الحنطة فالواجب رد رأس المال كما يحكم في البياعات الفاسدة، فإن التمر المأخوذ ها هنا عن رأس المال الذي هو دنانير ودراهم، وبيع الدنانير والدراهم قبل قبضها بتمر دين. هذا هو الأصل المعتمد عليه، وعليه وقع جواب ابن القاسم في المدونة من غير اشتراط وقوع حكم القاضي بالفسخ. وأجاز لمن أسلم في حنطة سلما فاسدا أن يأخذ تمرا. وهذا طرد مذهبه؛ لأن السلم إذا فسد عقده لم يستحق المسلم في ذمة المسلم إليه سوى رأس ماله الذي دفع إليه. لكن أشهب التفت في هذا إلى اختلاف العلماء في هذا العقد الذي أفسدناه نحن وأمضاه غيرنا، فنهى عن أخذ التمر عن الحنطة حتى يقضي القاضي بفسخ العقد فيرتفع الخلاف. أو يكون الفساد مجمعا عليه فيكون عرو الذمة متفقا عليه ولا مخالف فيه يمحسس إليه، وهذه مراعاة منه لاختلاف العلماء، واحتياطا من الوقوع في المحرم. لأنه إذا كان بعض العلماء يرى عقد هذا السلم صحيحا وقد يرفع إلى قاض يحكم بصحته، صارت المعاوضة عند هؤلاء كبيع الطعام قبل قبضه. ولكن أشار بعض الأشياخ إلى أن المتعاقدين لو وقعا في هذه المعاوضة ما أحسن أن تفسخ عليهما مع كون هذه المعاوضة عندنا جائزة، ولا يحسن بالفقيه أن يفسخ عقدا وهو عنده جائز ماض لأجل أن غيره ذهب إلى فساده. لكن يحسن النهي عن الوقوع في هذا ابتداء احتياطا من الخلاف.

ومال بعض الأشياخ إلى أنهما لو حكما رجلا فحكم بالفسخ لحل ذلك محل حكم القاضي. وأشار أيضا إلى أن أحدهما لو حكم صاحبه فاجتهد فم بالفسخ أو اجتهدا جميعا ففسخاه لأجزأهما ذلك.

وهذا الذي قاله في حكم أحدهما أو حكمهما جميعا فيه نظر؛ لأن الحاكم لا يحكم لنفسه. لكن الاختلاف في تراضيهما فالإشهاد على الفسخ هل يحل ذلك محل الحكم بالفسخ؟ مشهور بين أشهب وابن المواز (1) ومراعاة الخلاف

وكون العقد الفاسد عقدا يفتقر إلى حل، فيه اضطراب في المذهب سنتكلم عليه في كتاب البيع الفاسد إن شاء الله تعالى. فإذا راعينا الخلاف وجعلنا العقد الفاسد له شبهة العقود، افتقر إلى حله بقضية قاض. وإن لم يراع الخلاف ولا جعلنا العقد الفاسد عقدا، فإنه لا يجب الافتقار إلى قضية قاض.

فإذا تقرر عندك هذا الاضطراب في افتقار العقد إلى حل إذا كان مختلفا في فساده، فإنه إذا كان العقد مجتمعا على فساده أو مختلفا لم فيه فقضى بنقضه قاض لم يختلف في ترك مراعاة بيع الطعام قبل قبضه، إذ لا طعام ها هنا في الذمة يباع قبل القبض. لكن لو أراد (1) بعد الحكم بالفسخ أن يأخذ مثل ما عقدا عليه من الطعام في المقدار والصفة، فإن ظاهر المذهب على قولين: أحدهما إجازة ذلك، لكون المأخوذ الآن إنما أخذ معاوضة عن دنانير، لا عن مثل ما كان في الذمة على اعتقادهما ومقتضى عقدهما. وإلى هذا ذهب ابن حبيب. وظاهر كلام ابن المواز المنع منه، لئلا يكون لم يقصد بهذه المعاوضة الثانية إلا إمضاء الأولى التي فسخت عليهما، فيكون الفسخ لم يفد، ومتى أبحنا له، وقد أسلم في مائة قفيز سمراء سلما فاسدا ففسخ عليهما ووجب رد رأس المال أن يأخذ عنه مائة قفيز سمراء، فإن هذا الذي فعلاه صورة ما عقدا عليه والفسخ لم يفد شيئا. وقد وقع لمالك رضي الله عنه فيمن [قال من طعام أسلم فيه سلما صحيحا وأخر المناجزة في رأس المال، أن الإقالة تفسخ لما دخلها وما تصور فيها من فسخ الدين. لكنه أباح لهما أن يرجعا إلى إقالة صحيحة يتناجزان فيهالأولم يتهمهما على إمضاء الإقاله الأولى التي فسخت عليهما ولم يقدر أنهما رجعا إليها. وهذا ينظر لأحد القولين في إجازة أخذ مثل الطعام سواء بعد الحكم بفسخه. لكن الإقالة الأولى تصور فيها سورة التأخير وتقدير اتهامهما على فسخ الدين في الدين، وهذه الثانية لم يتصور فيها ذلك لأنهما يتناجزان فيها. وهكذا وقع لابن القاسم فيمن قارض رجلا بمائة على أن يحمل

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١