وهذا الاختلاف سهل المدرك لأن الاتفاق قد حصل على أن البول ينقض الوضوء. وإنما حقق أصحابنا هذا الموضع لأنه ربما طلبوا (1) بالدليل على كون البول ناقضا للوضوء فيستدلون بهذا الظاهر. وربما استدلوا به أيضا في بعض فروع هذا الباب. فاحتيج إلى تحقيق القول فيه. وقد ورد الخبر بوجوب الوضوء من المذي وغير ذلك مما يغني الاتفاق عن إيراده.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الفرق بين الحدث وسببه فإن الحدث ينقض الوضوء بنفسه، لا لمعنى آخر يؤدي إليه، كالبول والغائط وشبههما.
وأما سبب الحدث فلا ينقض الوضوء بنفسه، ولكن بما يؤدي إليه. ألا ترى أن النوم إنما ينقض الوضوء لأن الغالب منه خروج الحدث. ولهذا لم ينقض الوضوء قليله. لأن الغالب منه عدم خروج الحدث. وقد نبه النبي عليه السلام على ذلك بقوله: "العينان وكاء السه (2). فإذا نامت العينان انطلق الوكاء". وكذلك لمس النساء ومس الذكر، إنما نقضا الوضوء لكونهما مثيرين للذة الجالبة المذي. ولهذا روعي فيهما أن يقعا على صفات ما. على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما سقط حكم الحدث إذا تكرر، الخروج (3) والمشقة اللاحقة فيه متى أوجبنا الوضوء لكل صلاة. والحرج مرفوع لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (4) ولأن الوضوء إنما يتعلق بما خرج من السبيلين على جهة العادة. والمتكرر من البول والمذي خارج