ولأحدهما مال لم يعرف المسلم ولا ذو المال. قال يغسلان ويكفنان في ذلك المال. ويصلى عليهما والنية للمسلم ويبقى المال موقوفا. فأفادت هذه الروايات اضطرابا في التعويل على الأغلب كما أفادت اضطرابا في الختان. لكن الاضطراب فيه يمكن أن يصرف إلى اختلاف في حال. وهل وجد وجودا يفيد ظنا أم لا؟ وأما الاختلاف في الغالب فكأنه تقابل فيه أصلان: أحدهما للمسلم حقا في الصلاة عليه فلا يسقط مع القدرة عليها. فإن قلنا بهذا صلي عليهما ونوي المسلم. والثاني أن مراعاة الأغلب وتعليق الأحكام عليه له أصول في الشريعة. وقد ثبت الإجماع على أنهم لو كانوا كلهم كفرة لم يصل عليهم. فإن كان جلهم كذلك أجري الجل مجرى الكل. والخلاف في مراعاة الغالب ها هنا أوقع منه في مراعاة غالب سكان البلد والفلاة والسفار على ما أشرنا إليه في الروايات. لأن ها هنا: من يقطع بتحريم الصلاة عليه اختلط بمن تجب الصلاة عليه، فقد يلحق بباب اختلاط الحلال بالحرام على ما عرف في أصول الفقه.
وإن كان قد قال بعض الناس أن القصد للمسلمين يرفع الحظر. وتخرج المسألة عن باب اختلاط الحلال بالحرام. وليس في تلك المسائل قطع بتحريم الصلاة.
لكن فيها تردد بين تحليل وتحريم فيجب أن يرجع إلى الأصل الثابت، قبل حالة الشك. وإنما نبهنا على هذا لئلا يختلط أصل بأصل. وقد أفادت الروايات أيضا اختلافا في مواراة المشكوك فيه ولا معنى للمنع من ذلك إذا احتيج إليه ولم يقصد به قصد العبادة المسلوكة في المسلم. فأما قول سحنون في المال المشكوك فيه بانهما يكفنان فيه وتبقى بقية المال موقوفة. فإن في إطلاق الجواب نظرا. فإن المال إذا علم أنه لم يخرج عن أيديهما وشك في عين المستحق منهما فنحن نعلم أن أحدهما لا يستحق التكفين منه قطعا، ونشك في عينه. فكيف أبيح التكفين فيه لهما، إلا أن ينزله منزلة مال يتداعاه رجلان فحكمه القسمة بينهما. فينبغي لمن سلك هذا المسلك أن يشترط تساوي الكفنين، ولا يكفن أحدهما على ما يليق به فيقع التفاضل في القسمة، ويجري ورثتهما في الباقي على حكم التداعي فيه. هكذا مقتضى هذه الطريقة إن كان قصدها.