27.34-38
قوله عز وجل: ﴿ قالت ﴾ يعني: المرأة ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية ﴾ على وجه القوة والغلبة ﴿ أفسدوها ﴾ يعني: أهلكوها وخربوها ﴿ وجعلوا أعزة أهلها أذلة ﴾ يعني: أهانوا أشرافها وكبراءها ليستقيم لهم الأمر ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ قال ابن عباس: هذا قول الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وكذلك يفعلون تصديقا لقول المرأة قال الحسن: هذا قول بلقيس إن سليمان وجنوده كذلك يفعلون وأكثر المفسرين على خلاف ذلك ثم قالت المرأة ﴿ وإنى مرسلة إليهم بهدية ﴾ يعني: أصانعهم بالمال فإن كان من أهل الدنيا فإنه يقبل ويرضى بذلك ويقال: أختبره أملك هو أم نبي فإن كان ملكا قبلها وإن كان نبيا لم يقبلها ﴿ فناظرة بم يرجع المرسلون ﴾ يعني: أنظر بماذا يرجع المرسلون من الجواب من عنده وذكر في الخبر أنها بعثت إليه لبنتين من ذهب والمسك والعنبر وبعثت بعشرة غلمان وعشرة جواري وكان في الجواري بعض الغلظة وكان في الغلمان بعض اللين وأمرت بأن تخضب أيديهم جميعا وجعلتهم على هيئة الجواري وبعثت إليه جوهرة في ثقبها اعوجاج وطلبت أن يدخل الخيط فيها وكتبت إلى سليمان إن كنت نبيا فميز بين الجواري والغلمان فأمر سليمان الشياطين بأن يلقوا في طريق الرسل لبنا كثيرا من الذهب فلما جاءت رسل بلقيس استحقروا هديتهم فلما قدموا على سليمان أمر بماء فوضع وأمر الغلمان والجواري بأن يتوضأ فجعل الغلام يحدر الماء على يده حدرا وأما الجواري فكن يصببن صبا وفي رواية أخرى كانت الجارية تأخذ الماء بكفها وتدلك ذراعها وأما الجوهرة فأخذ بوردة حمراء عقد فيها خيطا ثم أدخلها في الحجر حتى خرجت من الجانب الآخر فرد الهدية وقال للوافد (أتمدونني بمال) يعني أتغرونني بالمال قوله عز وجل: ﴿ فلما جاء سليمان ﴾ قال بعضهم: يعني جاء الرسول وقال بعضهم يعني: جاء بريدها والأول أشبه لأنه خاطب الرسول ﴿ قال أتمدونني بمال ﴾ قرأ حمزة أتمدونني بمال بنون واحدة والتشديد وقرأ الباقون بنونين وأصله نونان إلا أن حمزة أدغم إحداهما في الأخرى وشددها وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أتمدونني بالياء في الوصل لأنه في الأصل الياء وهو ياء الإضافة وقرأ الباقون بغير ياء لأن الكسر يدل عليه ثم قال ﴿ فما ءاتنى الله ﴾ يعني: ما أعطاني الله عز وجل من النبوة والحكمة والدين والإسلام والملك ﴿ خير مما ءاتكم ﴾ يعني: خير مما أعطاكم من الدنيا والمال ﴿ بل أنتم بهديتكم تفرحون ﴾ يعني: إذا أهدى بعضكم إلى بعض يقال معناه بل أنتم تفرحون بهديتكم إذا ردت إليكم لأنكم قليلون المال ويقال لأنكم مكاثرون بالدنيا قوله عز وجل: ﴿ ارجع إليهم ﴾ يعني: قال سليمان للأمير الوافد ارجع إليهم بالهدية فإن لم يحضروني ﴿ فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ﴾ يعني: لا طاقة لهم بها قال بعض المتقدمين: ومتى يكون لهم طاقة بجنود سليمان وكان جنود سليمان من الجن والإنس والشياطين ﴿ ولنخرجنهم منها ﴾ يعني: من أرض سبأ ﴿ أذلة ﴾ يعني: مغلولة أيديهم إلى أعناقهم ﴿ وهم صغرون ﴾ أي: ذليلون فلما بلغ الخبر إلى المرأة ورسالة سليمان لم تجد بدا من الخروج إليه فخرجت نحوه فلما علم سليمان بمسيرها إليه ﴿ قال ﴾ لجلسائه ﴿ يأيها الملا أيكم يأتينى بعرشها ﴾ يعني: بسرير بلقيس ﴿ قبل أن يأتونى مسلمين ﴾ أي: موحدين لأنه قد كان أوحي إلى سليمان بأنها تسلم وقال بعضهم: إنما أراد سليمان بإحضار سريرها قبل أن تسلم ليكون السرير له لأنها لو أسلمت حرم عليه ما كان لها وقال بعضهم: إنما أراد أن يبين دلالة نبوته عندها فتعلم المرأة أنه نبي فتسلم.