تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انتبه المسلمون إلى شؤونهم، ورجعوا إلى الأخذ بالصحيح من دينهم، لاعتصموا

بجامعتهم، واستعانوا على تقويم أمورهم بأنفسهم، واستغنوا عمن أدخلوه في أعمالهم

من غيرهم، فيحرم الكثير من المسيحيين تلك المنافع التي نالوها بغفلتهم، وهو

سوء ظن من الزاعم بنفسه، فإنه بظنه هذا يعتقد أنه غاش مغرر، وسالب متلصص،

وسوء ظن بالمسلمين أيضا، فإن أهل الوطن الواحد لا يستغني بعضهم عن بعض

مهما ارتقت معارفهم، وعظم اقتدراهم على الأعمال. وغاية الأمر أن ما كان ينال

اليوم بدون حق يصبح وهو لا ينال إلا بحق، والأجنبي الذي كان ينفق الواحد

ويربح المائة، يرجع إلى الاعتدال في الكسب، ويحتاج إلى شيء من التعب في

استيراد الربح، وقد كان المسيحيون عاملين في الدول الإسلامية؛ وهي في عنفوان

قوتها، والأجانب يطلبون الكسب في أرجائها؛ وهي في أرفع مقام من عزتها.

نعم يعرض في طريق الدعوة إلى الدين على هذا الوجه، أن يلتمس مسلم

بمصر معونة من مسلم آخر بسوريا أو بالهند أو بالعجم أو بأفغانستان أو بغير

هذه الأقطار؛ لأن مرض الجميع واحد وهو البدعة في الدين، فإذا نجح الدواء في

موضع كان السليم أسوة للمريض في موضع آخر، أما السعي في توحيد كلمة

المسلمين، وهم كما هم، فلم يمر بعقل أحد منهم، ولو دعا إليه داع لكان أجدر به

أن يرسل إلى مستشفى المجانين.

يكتب بعض أرباب الأقلام من المسلمين في حكمة الحج، ويقول: إنه صلة

بين المسلمين في جميع أقطار الأرض، ومن أفضل الوسائل للتعاون بينهم، فعليهم

أن يستفيدوا منه. وهو كلام حق، لكن لا ينبغي أن يفهم على غير وجهه، فإن

الغرض منه أن يذكر المسلمون ما بينهم من جامعة الدين، حتى يستعين بعضهم

ببعض على إصلاح ما فسد من عقائدهم، أو أضل من أعمالهم، وفي مدافعة ما

ينزل بهم من قحط، أو ظلم، أو بلاء، وهو أمر معهود عند جميع الأمم التي تدين

بدين واحد؛ خصوصا عند الأوربيين.

يكثر المسلمون اليوم من ذكر الدولة العثمانية والسلطان عبد الحميد، ويعلقون

آمالهم بهمته، وكثير منهم يدعو إلى عقد الولاء له، وهذا أمر لا ينبغي أن يدهش

أحدا؛ فإن هذه الدولة هي أكبر دول الإسلام اليوم، وسلطانها أفخم سلاطينهم، ومنه

يرتجى إنقاذ ما بين يديه من المسلمين مما حل بهم، وهو أقدر الناس على إصلاح

شؤونهم، وعلى مساعدة الداعين إلى تمحيص العقائد، وتهذيب الأخلاق؛ بالرجوع

إلى أصول الدين الطاهرة النقية. فأي شيء في هذا يزعج أوربا حتى تتحد على

هضم حقوق المسلمين؟ إذا حدثت حوادث مثل الحوادث الماضية، كما يقول موسيو

هانوتو.

بقي الكلام على جمع السلطة الدينية والسياسية في شخص واحد، يقول فيه

موسيو هانوتو: إن أوربا لم تتقدم إلا بعد أن فصلت السلطة الدينية من السلطة

المدنية، وهو كلام صحيح. ولكنه لم يدر ما معنى جمع السلطتين في شخص عند

المسلمين. لم يعرف المسلمون في عصر من الأعصر تلك السلطة الدينية التي كانت

للبابا على الأمم المسيحية؛ عند ما كان يعزل الملوك، ويحرم الأمراء، ويقرر

الضرائب على الممالك، ويضع لها القوانين الإلهية. وقد قررت الشريعة الإسلامية

حقوقا للحاكم الأعلى؛ وهو الخليفة أو السلطان، ليست للقاضي صاحب السلطة

الدينية. وإنما السلطان مدبر البلاد بالسياسة الداخلية، والمدافع عنها بالحرب أو

السياسة الخارجية، وأهل الدين قائمون بوظائفهم، وليس له عليهم إلا التولية

والعزل، ولا لهم عليه إلا تنفيذ الأحكام بعد الحكم، ورفع المظالم إن أمكن، وهذه

الدولة العثمانية قد وضعت في بلادها قوانين مدنية، وشرعت نظاما لطريقة الحكم،

وعدد الحاكمين، ومللهم، وسمحت بأن يكون في محاكمها أعضاء من المسيحيين

وغيرهم من الملل التي تحت رعايتها. وكذلك حكومة مصر أنشئت فيها محاكم

مختلطة ومحاكم أهلية، بأمر الحاكم السياسي، وشأن هذه المحاكم وقوانينها معلوم،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٨٤