تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والفريق الثاني من يهيؤه أولياؤه لنيل منصب من مناصب الحكومة عال أو

سافل، وأفراد هذا الفريق إن كثروا أو قلوا، يحصلون مبادي العلوم المعروفة

بالعلوم العصرية. ثم يحصل كل واحد ما به ينال المنصب الذي يعده له والده،

على أن ما يحصل إما لفظ يحفظ، أو خيال يخزن. والمدار على الوصول إلى

ورقة الشهادة. ومن هؤلاء من يذهبون إلى أوربا؛ لاستعمال التربية فيها، ولا غاية

لهم سوى هذه الغاية. فمن أصاب منهم بعد ذلك وظيفة قنع بها، وحصر همه على

العمل فيها، ومن لم يجد وقف على الأبواب ينتظرها، فإذا مل الانتظار أو تقضى

زمن العمل، وجدته في قهوة أو ملهى يسرف في أوقاته، ويفسد في أدواته.

والصالحون منهم - وقليل ما هم - لا يهمهم شأن العامة شقيت أو سعدت، هلكت أو

قامت، فأي أثر لما تعلمه هؤلاء يظهر في الأمة؟ وأستثني منهم شواذ في كل بلد

على ضعفهم يرجى أن ينمو عددهم، وتجني الأمم ثمار أعمالهم. هذا شأن الرجال

مع العلم.

أما النساء فقد ضرب بينهن وبين العلم بما يجب عليهن في دينهن أو دنياهن

بستار، لا يدرى متى يرفع، ولا يخطر بالبال أن يعلمن عقيدة، أو يؤدين فريضة

سوى الصوم، وما يحافظن عليه من الفقه؛ فإنما هو بحكم العادة، وحارس الحياء

وقليل جدا من موروث الاعتقاد بالحلال والحرام، وحشو أذهانهن الخرافات،

وملاك أحاديثهن الترهات، اللهم إلا قليلا منهن، لا يستغرق الدقيقة عدهن، وكل

من الرجال والنساء يعد نفسه مسلما، يعدها الجنة، ويمنيها السعادة.

أخطأ المسلم في فهم معنى التوكل والقدر، فمال إلى الكسل، وقعد عن العمل

ووكل الأمر إلى الحوادث تصرفه حيثما تهب ريحها، ويظن أنه بذلك يرضي ربه

ويوافي رغائب دينه.

أخطأ المسلم في فهم ما ورد في دينه من أن المسلمين خير الأمم، وأن العزة

والقوة مقرونتان بدينهم أبد الدهر، فظن أن الخير ملازم لعنوان المسلم، وأن رفعة

الشأن تابعة للفظه، وإن لم يتحقق شيء من معناه، فإن أصابته مصيبة أو حلت به

رزية تسلى بالقضاء، وانتظر ما يأتي به الغيب؛ بدون أن يتخذ وسيلة لدفع الطارئ،

أو ينهض إلى عمل؛ لتلافي ما عرض من خلل، أو مدافعة الحادث الجلل،

ومخالفا في ذلك كتاب الله، وسنة نبيه.

أخطأ المسلم في فهم معنى الطاعة لأولي الأمر، والانقياد لأوامرهم، فألقى

مقاليده إلى الحاكم، ووكل إليه التصرف في شئونه ثم أدبر عنه، حتى ظن أن

الحكومة؛ يمكنها القيام بشئونه جميعها من إدارة وسياسة؛ بدون أن يكون لها منه

عون سوى الضريبة التي تفرضها عليه، ومن رأى حزن الآباء إذا طلب أبناؤهم

لأداء الخدمة العسكرية، وما يبذلونه من السعي في تخليصهم منها، حكم بأن مما

يعقله أكثر المسلمين من معنى الحكومة، لا يمكن انطباقه على شيء من أوليات

العقل، وعرف أن ثقتهم بالحاكم قد بلغت إلى حد التأليه؛ من حيث ظنوه قادرا على

كل شيء بدون عون من أحد، وانقلبت تلك الثقة إلى الإدبار والتخلي عنه، من

حيث أنهم تركوه وشأنه، لا يساعدونه في حادث، ولا يعينونه فى أمر مهم، اللهم

إلا إذا أرغموا على ذلك، ومن ذا الذى يحسن عملا إذا ألجئ إليه بالرغم؟ ومن

هنا انصرف المسلم عن النظر في الأمور العامة جملة، وضعف شعوره بحسنها

وقبيحها، اللهم إلا ما يمس شخصه منها.

أما الحكام وقد كانوا قدر الناس على انتياش الأمة مما سقطت فيه، فأصابهم

من الجهل بما فرض عليهم في أداء وظائفهم؛ ما أصاب الجمهور الأعظم من العامة،

ولم يفهموا من معنى الحكم إلا تسخير الأبدان لأهوائهم، وإذلال النفوس لخشونة

سلطانهم، وابتزاز الأموال لإنفاقها في إرضاء شهواتهم، لا يرعون في ذلك عدلا،

لا يستشيرون كتابا، ولا يتبعون سنة، حتى أفسدوا أخلاق الكافة بما حملوها على

النفاق والكذب والغش والاقتداء بهم في الظلم، وما يتبع ذلك من الخصال التي

ما فشت في أمة، إلا حل بها العذاب.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٨٢