استقلال الفكر
رأيت في يد أحد طلاب العلم جريدة جديدة، وكنت تلميذا في فرقته، ورأيته
يغمطها، ويدعي أنه يقدر على إنشاء جريدة خير منها. فقلت له: إنني لا أدعي
مثل هذه الدعوى، فإن كنت واثقا، فاكتب لي مقالة في موضوع اجتماعي أو
سياسي، مما تبحث في مثله الجرائد. قال: اقترح. قلت: اكتب لي مقالة في
الاستقلال، فسكت ولم يرجع إلي قولا، ولا كتب شيئا.
عزمت على أن أكتب شيئا في استقلال الفكر، ولم أفرغ له إلا بعد ثماني
ساعات، لم تخطر في بالي فيها تلك الواقعة. ولكن كانت أول ما سبق من الذهن
إلى القلم عند الكتابة، وما أثبتها عبثا ولا فكاهة؛ بل أردت أن أنبه القارئ إلى
جلال الموضوع الذي لا أزال أجله من ذلك اليوم؛ عسى أن يهبه من انتباهه ما
يليق به لا سيما إذا كان يحب الاستقلال لنفسه ولأمته.
يكثر في الجرائد ذكر استقلال الأمم والشعوب، وقلما تذكر شيئا في استقلال
الأفراد الذي هو أصل استقلال الجماعات الكبيرة؛ التي تسمى أمما وشعوبا.
استقلال الآحاد نوعان: استقلال الفكر، واستقلال الإرادة. وهذان النوعان
هما الجناحان للإنسان يطير بهما إلى الكمال في العلم والعمل، ويكون حظه من
النجاح على قدر حظه من قوتهما، وحسن استعمالهما.
استقلال الفكر يكون ببلوغ العقل أشده وارتقائه إلى مستوى رشده، فإن العقل
القاصر؛ هو الذي يتبع مذهب التقليد في كل ما يلقى إليه، كما نرى من الأطفال،
ومن هم في حكم الأطفال من الرجال. فالمستقل في فكره هو الذي يستعمل عقله في
البحث عن الحق والصواب في معارفه، والتمييز بين النافع والضار من مصالحه أو
مصالح أمته عندما يبحث فيها، فلا يقبل من هذا ولا ذاك قول من هو مثله، إلا إذا
ظهر له أنه الحق والصواب.
إن الذي لا يعرف الحق والصواب بالنظر والاستدلال، لا يعد عالما ولا
سياسيا، بل لا يعد عاقلا؛ لأن ما يحفظه من أقوال الناس في الكتب والجرائد، أو
في البيوت والمحافل، لا يرفعه إلى مرتبة العقلاء الذين يميزون بين الأقوال بالدليل
العقلي، فإن الأولاد المميزين يحفظون الأقوال مثله ولا يعدون من العقلاء، إلا إذا
أريد بالعاقل من ليس مجنونا؛ يجب أن يساق إلى البيمارستان أو مستشفى المجاذيب
فإن هذا الاصطلاح يسمح لنا أن نطلق لقب العاقل على الإمعة الذي لا رأي له،
وإنما يتابع كل واحد على رأيه؛ لا سيما إذا لم يكن متهما عنده بعداوته له، لسبب
من أسباب التهم.
استقلال الفكر طبيعي في البشر، كما أن ضده وهو التقليد طبيعي فيهم. فأما
التقليد فهو طبيعي في الراشدين، ولولا ذلك لما ارتقوا في علم ولا عمل، ولسار
جميعهم على ما كان عليه أول واحد منهم، فكانوا كالبهائم متساوين في علمهم
وعملهم ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ (الزمر: 9) لو ترك
الناس وفطرتهم، لأعطوا طور القصور حقه، وطور الرشد حقه. ولكن معظم
الأفراد الذين بلغوا أشدهم مستقلين في أفكارهم، مستدلين على آرائهم، ولكانت
أعمالهم على حسب أفكارهم؛ لاستقلال إرادتهم المعبر عنه بالحرية الشخصية في
عرف هذا العصر. ولكن الرؤساء المسيطرين قد تصرفوا في الفطرة تصرفا
ذهب بالاستقلال الذي لا يتفق مع الاستبداد. ولذلك ترى أهل البداوة أقرب إلى
الاستقلال من أهل الحضارة المحكومين بسلطة استبدادية.
الحضارة كمال بشري وآفته الاستبداد، الذي يحول دون ما تقتضيه الحضارة
من كمال الأفراد، لعبثه باستقلالهم وسيطرته عليهم في علومهم وأعمالهم.
التعليم في البلاد التي تساس بالاستبداد يكون مبنيا على التقليد بطبع
الحكومة؛ لأن الذين يعرفون الحقائق لا يرضون أن يتحكم في مجموعهم
واحد منهم، إرادته حكم، وهواه شريعة وقانون. فاستقلال الأفكار حرب لحكم
الاستبداد وكثيرا ما كانت هذه الحرب سجالا، والعاقبة للمستقلين.
الشرق أعرق في التقليد من الغرب، فهو أعرق في الاستبداد أيضا. وقد ظهر