تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سلطانه متى أمكنت.

أهل مصر شديدو الانفعال بما يلقى إليهم؛ كثيرو التذكار لما ينطبق على

أهوائهم، فلكل كلمة من هذا القبيل مكان من نفوسهم، ولكن ربما لا يظهر أثر ذلك؛

لاحتجابه بحجاب العجز أحيانا، غير أن طباع المصريين كالكرة المرنة تتأثر

بالضغط، فينخفض بعض سطحها قليلا من الزمن، ثم لا يلبث أن يعود إلى حاله،

فالله يعلم متى يظهر أثر تلك الانفعالات؛ التي يمكن أن تتأثر بها نفوسهم بما يلقى

إليهم.

يقال: إن أهل مصر ضعفاء، ولكن قد أظهر التاريخ أنه متى وجد القائد؛

كانوا أشد على الخصم من أشجع الأمم؛ وأثبتهم قدما في المواطن، ولا يعلم متى

يوجد القائد، ومن أي جنس يكون، إذا تركت أهواؤهم بغير تهذيب تجري، حيث

تجد سبيلا للاندفاع، ثم لا يقدرون النظام قدره، مهما كان بالغا من الصلاح؛ ولا

يبالون به، بل يعتقدون أن كل نظام حبر على ورق، فلا يستطيع حاكمهم أن يثبت

سلطته عليهم على أمر مكين، بل هم دائما في التواء عليه بالمخالفة، متى أمكنت

الفرصة، إلا إذا أخذوا بتربية صحيحة، فهناك تنضبط أحوالهم، وينشئ النظام

احترامه في قلوبهم، ويهتدي صاحب السلطة إلى طرق تصريفهم.

احتقار أمر النظام والتأثر بالوساوس؛ إذا لم يكن مبعثهما الحق، ينشآن عند

المصريين من أمرين: الأول: بعد جمهورهم عن المعرفة بوجوه المصالح. والثاني:

حرمانهم من التربية التي تطبع في نفوس أغلبهم الاستقامة والتؤدة والتبصر في

العواقب، ومرجع الأمرين إلى سوء العقيدة، وظن ما ليس بواجب واجبا، وظن

الواجب غير واجب، فما دامت هذه حالهم فهم رعية غير صالحة، فلا يصلحون

بدنا لرأس ولا آلة لعامل؛ لاختلال المدارك وفساد الإرادات.

أهل مصر لم يأتهم التاريخ القديم بذي سلطة يفهم هذا السر، وتنفذ بصيرته

إلى هذه الحقيقة، فلذا لم تثبت فيهم دولة لقبيل زمنا يعتد به، وكل إصلاح نظامي

نشأ فيهم كان كالبناء على الهواء، فالسلطة التي تسعى في أن تجعلهم رعية

صالحة، تكون قد فتحت في نفوسهم فتحا جديدا، وظفرت ببغيتها منهم ظفرا

مبينا، وأمنت كل غائلة تخشى من دسائس الأعداء ووساوسهم.

أهل مصر قوم أذكياء كما قلنا، يغلب عليهم لين الطباع؛ واشتداد القابلية

للتأثر، ولكنهم حفظوا القاعدة الطبيعية وهي أن البذرة لا تنبت في أرض إلا إذا

كان مزاج البذرة مما يتغذى من عناصر الأرض، ويتنفس بهوائها وإلا ماتت

البذرة بدون عيب على طبقة الأرض وجودتها، ولا على البذرة وصحتها، وإنما

العيب على الباذر.

أنفس المصريين أشربت الانقياد إلى الدين، حتى صار طبعا فيها، فكل من

طلب إصلاحها من غير طريق الدين، فقد بذر بذرا غير صالح للتربة التي أودعه

فيها، فلا ينبت ويضيع تعبه، ويخفق سعيه، وأكبر شاهد على ذلك؛ ما شوهد من

أثر التربية التي يسمونها أدبية من عهد محمد علي إلى اليوم، فإن المأخوذين بها لم

يزدادوا إلا فسادا، وإن قيل: إن لهم شيئا من المعلومات، فما لم تكن معارفهم

العامة وآدابهم مبنية على أصول دينهم، فلا أثر لها في نفوسهم.

ولا أتكلم عن إصلاح لدين غير الإسلام في مصر، فإن غير المسلمين فيها

العدد القليل، والجمهور الأغلب من المسلمين.

الدين الإسلامي الحقيقي ليس عدو الألفة، ولا حرب المحبة، ولا يحرم

المسلمين من الانتفاع بعمل من يشاركهم في المصلحة، وإن اختلف عنهم في الدين

وفي آدابه كفاية لتعريف الآخذ به بوجوه المصالح، وإرشاده إلى مظان الفوائد

والبصر بالعواقب، وتقويمه بفضائل الأخلاق، وبالجملة فهو أفضل كافل لجعل

الرعية صالحة لأن تكون بدنا لرأس أو آلة لعامل. وقد أرشدتنا التجربة إلى أن

كل عارف بحقيقة الدين الإسلامي، كان أوسع نظرا في الأمور، وأطهر قلبا من

التعصب الجاهلي، وأقرب إلى الألفة مع أبناء الملل المختلفة، وأسبق الناس إلى

ترقية المعاملة بين البشر، وإنما يبعد المسلم عن غيره جهله بحقيقة دينه، وهذه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٧