تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونظامها القطري. ولذلك نرى أرباب هذا الاعتقاد من ذوي السلطة، لا تدوم له

دولة، ولا يثبت لهم سلطان؛ لتخبطهم في سيرهم بجهلهم منزلتهم من محكوميهم،

وتصرفهم فيهم على خلاف ما يجب أن يصرفوهم فيه، وتغافلهم عن استطلاع

طباعهم بما يؤهلهم للعمل على ما يريدون منهم.

يقال: إن الرعية في كثير من البلاد آلة للحاكم في بلوغ مقاصده في دولته،

فقد يكون ذلك حقا لكنها آلة ذات شعور وإرادة، وما له شعور وإرادة فجميع أعماله

إنما تكون عن شعوره وإرادته، فتصلح الأعمال بصلاح الشعور والإرادة، وتفسد

بفسادهما، فلا يمكن أن تكون تلك الآلة صالحة للعمل، إلا إذا كان الشعور والإرادة

صالحين له، وصلاحهما بأن يكون الشعور وجدانا للفرق بين النافع والضار،

وبين النظام والاختلال؛ ليكون ما يقرره الحاكم من القوانين وأصول الإدارة معروفا

عند أغلب الرعية، وأن تكون الإرادة صادرة عن هذا الوجدان، حتى يكون النظام

منها في مكانة الاحترام.

فإذا كان الشعور مختلا والإرادة فاسدة، كانت الأحلام طائشة، والأهواء

متحكمة، ومداخل السوء كثيرة، فويل لذي السلطة من تلك الرعية وبعيد عليه أن

يستقر لسلطانه فيها قرار، وكل ما يتخيله إصلاحا لهم أو له فيودعه في أصول

حكومته، فهو كالنقش على الماء، أو الرسم في الهواء.

طبيعة مصر والمصريين

أرض مصر ضيقة عن حاجة أهلها، فمساحة الصالح منها للسكنى لا تزيد عن

حاجة الساكنين زيادة بينة، وهي محاطة من أطرافها بالصحاري الجدبة والمياه

المالحة، وليس فيها من الغابات ما يعوذ به الوحشي من الحيوان؛ فضلا عن

الإنسان؛ ولذلك نرى كثيرا من أنواع الوحوش؛ التي كنا نراها كثيرة في البلاد من

نحو أربعين سنة: كالضباع والذئاب والخنازير، قد كادت تنقرض بإصلاح

الأراضي الزراعية؛ وانتشار الإنسان في أطرافها وتعهدها بالزرع والعمارة، وأهل

مصر لا يعرفون معنى المهاجرة من دار إلى دار، ولا يمكن أن يتصوروا ذلك ما دام

في أرضهم نبات ينبت، فإذا أمحلت أرضهم فضلوا الموت فيها على المهاجرة

منها، وتاريخ الماضي وشاهد الحال ينطقان بذلك.

ولذلك كان أهل مصر سكان أرضهم من آلاف من السنين، وكل قادم إليهم

امتزج بهم، وغلبت عليه عوائدهم وأطوارهم، وانتسب نسبتهم فصار مصريا،

وأحرز جميع خواص المصريين، ونسي أصله وغاب عن أعقابه منشؤه، ثم إن

طباعهم مرنت على الاحتمال وألفت مقاومة القهر بالصبر، فلو أن سيف المتغلب كان

أعدى من سيف المماليك، وجوره أشد من جور إسماعيل باشا، لما أمكنه أن ينقص

من عددهم مقدارا يذكر، ولا أن يزيلهم عن مواقفهم مسافة تعتبر؛ ولهذا كان المتغلبون

يفنون فيهم وهم باقون.

أهل مصر قوم سريعو التقليد، أذكياء الأذهان، أقوياء الاستعداد للمدنية بأصل

الفطرة، فما أيسر أن تفعل الحوادث فيهم؛ فتنبههم إلى الأخذ بما يحفظ عليهم حياتهم

في ديارهم من أي الوجوه، فلا يبيدون من حاجة، فأهل مصر على ذلك هم رعية

حاكمهم، ولا يمكن لحاكمهم أن يستبدل بهم رعية أخرى في بلادهم.

فحاكمهم إذا كان رأسا فهم بدنه، وإذا كان عاملا فهم آلته، فلا بد من

استصلاحهم، حتى يستقر سلطانه عليهم زمنا مديدا، ترمي إليه أنظار الدول السامية

المقام في المدنية.

أهل مصر في موقع عرف كل الناس منزلته في الأرض، وهو ممر أهل

المشرق إلى المغرب؛ وأهل المغرب إلى المشرق، وهو في حلق أوروبا تتلاقى فيه

سيارة الأمم، فقلما توجد بلاد يكثر فيها اختلاط الأمم مثل هذه البلاد.

الأمم العظيمة الأوروبية يحسد بعضها بعضا؛ على التمكن في أرض مصر أو

الفوز بإحراز المنافع السياسية أو المالية فيها، فالوساوس والدسائس لا تنقطع نفثاتها

من أولئك الأحزاب، يبثونها بين المصريين؛ ليوغروا صدورهم على من علت

كلمته فيهم. وأعظم فاعل في نفوسهم (وأغلبهم مسلمون) أن يقال: إن صاحب

هذه المنفعة ليس من دينكم، وأنكم مأمورون ببغضه وانتهاز الفرص؛ لكشف

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٦