آيات القرآن شاهدة على ما نقوله، اللهم لمن يفهمها كما جاءت، ويعرف معناها كما
وردت.
إن القرآن وهو منبع الدين، يقارب بين المسلمين وأهل الكتاب، حتى يظن
المتأمل فيه أنهم منهم، لا يختلفون عنهم إلا في بعض أحكام قليلة، ولكن عرض
على الدين زوائد؛ أدخلها عليه أعداؤه اللابسون ثياب أحبائه، فأفسدوا قلوب أهاليه
ولا قلوب أقرب إلى الإصلاح من قلوب أهل مصر.
أهل مصر مضى عليهم الزمن الطويل والقرون العديدة، ولم يروا مربيا
يأخذهم بدينهم، فحرموا خيره، ولم يبق عندهم إلا ما فيه المضرة لهم ولغيرهم،
تحت اسم الدين وليس بدين. على أنه ليس فيهم من ينكر أن القرآن كلام الله، وأنه
ينبوع الدين، ولكن ليس لهم من معاهد التربية إلا جهتان: المدارس الأميرية،
ومدرسة الأزهر الدينية، وليس في الجهتين ما يهديهم لما يجعلهم رعية صالحة،
وهم الآن على غاية الاستعداد لقبول ما يصلحهم.
من يتوجه من ذوي السلطان إلى ذلك، لا يجد أقل مقاومة من العامة ولا أغلب
الخاصة، وفي مصر فرصة لا توجد في غيرها لمن أراد ذلك، فإن بلادا غير مصر؛
يوقف فيها مثل هذا الأمر على همة أهل الدين وسلامة أفكارهم، ونشاطهم لفتح
المدارس الدينية على الطرق المناسبة لحالة البلاد. أما مصر فلها مدارس أميرية؛
يمكن أن يسلك فيها أي مسلك يختار للتربية، وليس عليها رقيب سوى أهل السلطة
السياسية لا غير، فلهم أن يأخذوا من الدين أصوله، ويغرسوها في المدارس،
ويحملوا نفوس طلاب العلم عليها، ولا يتعرضون لما زاد عنها لا بالنفي ولا
بالإثبات، ويندبون لتدريس ذلك ذوي قدرة على صرف الأذهان عما وقر فيها،
وتطهيرها مما علق بها من الزوائد الضارة، ولا يجدون معارضا لهم من أهل الدين؛
لأنهم لا يهتمون بما لا يقع تحت نظرهم مباشرة، وما دامت الأصول محفوظة،
فأنظارهم عن غيرها منصرفة، وأكبر دليل على ما نقول، سكوت أهل الدين عن
نوع التربية المعروف في المدارس؛ على ما فيه من مباينة الدين، والانتهاء إلى
خلعه بالمرة.
المدارس الأميرية
المدارس الأميرية ليس فيها شيء من المعارف الحقيقية؛ ولا التربية
الصحيحة. هذه المدارس أنشأها محمد علي باشا بإشارة بعض الفرنسويين؛ لتعليم
بعض أولاد الأرناؤوط والأتراك والمورلية؛ ليكون منهم رجال عندهم إلمام ببعض
الفنون المحتاج إليها في نظام الحكومة التي أسسها، وأهم تلك الفنون: الهندسة
والطب والترجمة، أماغيرها من العلوم فما كان إلا وسيلة إليها، ثم لم يشترط في
العلم بها أن يكون تاما. أما التربية على أخلاق سليمة، فلم تخطر له ولا لمن تولى
إدارة هذه المدارس على بال، ثم لما لم يكن في أبناء تلك الأجناس وفاء لمطلبه في
الوظائف، أدخل في تلك المدارس بعض المصرين جبرا، وما كان يدخل مجبورا
إلا الذين لا قوة لهم من الفقراء، وكان دخول المدارس أشبه بدخول العسكرية في
ثقله على المصرين.
ثم جاء خلف محمد علي من عباس وسعيد فأهملوا النظر في المدارس بالمرة،
حتى جاء إسماعيل فوسع نطاقها، وزاد فيها من المعارف ما له دخل في الإدارة
والقضاء، وله تعلق بتثقيف العقول في ظاهر الأمر. غير أن جميع ما أتاه من ذلك
كان صوريا، ليقال: إن له في حكومته مثل ما لأوربا في حكوماتها، ولم يكن القصد
منه تربية العقول، ولا تهذيب النفوس، ولا تحصيل رجال يصلحون لتولي أعمال
الحكومة.
وفي زمن إسماعيل باشا كثرت رغبة الناس في المدارس، ولكن من الأعيان
الذين يطلبون لأولادهم مساند في الحكومة، يحتاج في الوصول إليها إلى بعض
الفنون، ومن الفقراء الذين لا يجدون ما يقتات به أبناؤهم؛ فيرسلونهم إلى المدارس؛
ليستريحوا من نفقتهم. ولم يكن القصد من جميع تلك الأحوال إلا أن يتعلم التلميذ
ما يؤهله للقيام بعمل ما من أعمال الحكومة، أو بعبارة أخرى: ليكون في يده شهادة
تبيح له أن يشغل كرسيا من كراسي أقلام الدواوين. أما تكوينه بالتعليم والتربية