تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جيرانهم، فأما أهل حلب نفسها فعربيتهم كعربية البلاد الشامية، ومن أعمال هذه

الولاية بلدة تحيط بها التركية والكردية من كل جانب، وأهلها لا يتكلمون إلا

العربية، وهي بلدة (ماردين) التي كان فيها الملوك بنو أرتق، وأغرب من هذه

بلدة أخرى في ولاية بتليس اسمها (سعرد) فإن أهل ماردين قريبون من الديار

الحلبية التي تغلب فيها العربية وأما (سعرد) فهي منقطعة عن الديار العربية أيما

انقطاع ومتوغلة ضمن الديار الكردية والأرمنية أيما توغل، وهي مع هذا محافظة

على اللغة العربية، ولعل كثيرا من عوامها لا يعرفون سواها؛ ولكن عربية

(سعرد) هذه نمط مستقل؛ فإنهم نسوا بعض المخارج كما نسوا قليلا من مفردات

الأسماء واستبدلوا بها من لغات جيرانهم، ومع ذلك فيها كل مميزات اللغة من

الاشتقاق وأساليب التركيب، وبالجملة هي عربية من كل وجه إلا أنها رديئة كلغات

البرابرة المستعربين في المغرب.

ومن سار من ولاية حلب إلى الجنوب يلفي ديارا معمورة عربية محضة

تتجزأ إلى أربع ولايات: ولاية سورية (دمشق) ومتصرفية لبنان وولاية بيروت

ومتصرفية القدس، ولا أعرف بلادا تختلف لهجة أهليها بمقدار ما تختلف لهجة

أهل هذه البلاد؛ ولكن الدخيل في لغتهم قليل كما هو الشأن في مصر، ولم يبق في

الشام ممن يتكلمون بلغة قديمة إلا قرية أو قريتين يتكلمون بالسريانية فيما بينهم على

ما بلغنا، ومثل هذه المحافظة على لغة ما أكثر من ألف عام في محيط كله أجنبي

عن هذه اللغة من غريب الأمور.

والعربية في الديار الشامية أمثل منها في العراق كله؛ لأنها غير واقفة هنا

على عاميتها الأولى كما هو الأمر هناك؛ بل هي سائرة مع الارتقاء الذي أحدثته

الصحافة في اللغة في مصر وسورية، ومن عرف العامية في البلاد الشامية قبل

ثلاثين سنة وعرفها اليوم يشعر بالفرق العظيم الذي أشرنا إليه.

فإذا جاوزنا البر الأسيوي إلى العدوة الإفريقية، وهبطنا فيها مصر نجد أمامنا

العربية كما تركناها خلفنا، فإذا سرنا من مصر إلى الجنوب، وجدناها في السودان

المصري، وإذا سرنا منها إلى الغرب ألفيناها في طرابلس فتونس فالجزائر

فالمغرب الأقصى.

ومن غرائب المصادفات أننا كما نجد مصر واقعة في ملتقى جغرافي بين

عرب المشرق وعرب المغرب نجد عربيتها أيضا في ملتقى حيوي بين العربية

المشرقية والمغربية؛ فعربية مصر أقرب إلى العربية الصحيحة من سائر عربيات

الأقطار المستعربة، وما قرب منها أو بعد من المشرق أو المغرب كان قربه إلى

الصحة على نسبة قربه من هذا الملتقى؛ فلغة الشام - وإن خالفت لغة مصر - هي

مثلها أو قريب منها في القرب من اللغة الصحيحة، ولغة العراق ليست كذلك، ولغة

طرابلس وتونس قريبة من لغة مصر، وليست كذلك لغة الجزائر والمغرب

الأقصى.

وتمتاز مصر على سائر الديار العربية بأمور أجلها كثرة العدد، فليس هناك

قطر عربي يقارب عدد أهل هذا القطر، فالديار الشامية - وهي جارة هذه الديار -

لا يتجاوز أهلها أربعة ملايين نسمة مع أنها تمتد من حدود شبه جزيرة سيناء إلى

جزيرة ابن عمر جنوبا وشمالا، ومن البحر المتوسط إلى صحراء العرب على هذا

الامتداد شرقا وغربا، وهي مسافة ليست بقليلة؛ ولكن هناك أسبابا كثيرا جعلت

سكانها قليلين، ومثل ذلك العراق باتساع المسافة، ولا يبلغ أهله أربعة ملايين،

وجزيرة العرب على اتساعها أكثرها فدافد، وليس لأهلها من إحصاء رسمي؛ لأن

البداوة هي الغالبة على أكثر بقاعها؛ لكن المشهور أن أهلها كلهم الحجازيين

واليمنيين والنجديين لا يتجاوز ثمانية ملايين، وفي إفريقيا أقاليم عربية لا يبلغ إقليم

منها في العدد مبلغ مصر؛ فالمغرب الأقصى أكبرها لا يحزرونه إلا في ثمانية

ملايين، فأين هذا من اثني عشر مليونا في مصر.

ومما تمتاز به مصر حرية الطباعة والتأليف ونشر الأفكار وسهولة الاجتماع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٤١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٤١١