تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هؤلاء العوام ما يعز علينا أن نستفيده من معاجم اللغة التي تفسر اللفظ في الغالب

تفسيرا لا يحدد المعنى. وعند ذلك نعلم أن عندهم من اللغة ما لا يمكن الاستغناء عنه

بالكتب التي نعتمد عليها في حفظها.

من المشهور عندنا أنهم يبدلون القاف همزة، فإذا سمعناهم يقولون (بنيئة

الأميص) نعلم أن أصل العبارة بنيقة القميص، ولكن لهم ضروبا أخرى من التحريف

تخفى على غير المدقق، فمن ذلك أنني كنت أسمع الفلاحين في بلدنا يقولون:

(فلان يحرط بسنانو) إذا سحق بعض أنيابه على بعض من الغيظ حتى سمع لها

صريف. وقد وقفت بعد هذا على قول العرب (حرق عليك الأرم ويحرق عليك

الأرم) كقول الشاعر:

نبئت أحماء سليمي إنما ... باتوا غضابا يحرقون الأرما

فلم يغنني ما أحفظ من استعمال العامة (حرط الأسنان) عن مراجعة حرق

الأرم وهو هو لأني لم أكن أعلم أنهم يبدلون القاف طاء في بعض الأحيان.

وجملة القول: إن لغة عامتنا عربية فيها تحريف لا يخرجها عن كونها هي

اللغة العربية، ولا يخرجهم عن عداد أهل اللغة. ويغلب على ظني أن العرب

الخلص لم تكن تسلم من التفاوت في حديثها بحيث تلتزم الإعراب وإظهار الحركات

في الشعر والخطابة والمماتنة والوصف دون الكلام العادي وحسبنا هذا الإلمام الآن.

وإذا كانت لغة عامة أهل الأمصار التي استعربت بعد عجمة تعد عربية

مريضة فلغة أهل جزيرة العرب عامة، وقبائل الأعراب منهم خاصة عربية

أقرب إلى الصحة، وإننا في حاجة الآن إلى فهم معاجمنا من الفريقين لنتمكن بعد

ذلك من وضع معجم أو معاجم أخرى تحدد المعاني تحديدا موضحا بالصور والرسوم

على الطريقة التي تليق بمعارف هذا العصر، وقد سبقنا إليها الغربيون الذين صرنا

محتاجين للسير على طرقهم في جميع ما يصل إليه كسب البشر وجدهم.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٩٩